
تعتبر حديقة الأورمان من بين مجموعة الحدائق الخديوية والتراثية التى أنشئت في عهد الخديوى إسماعيل حيث أنشئت فى عام 1875 م، وكلمة أورمان هى كلمة تركية الأصل وتعنى الغابة أو الأحراش.
وكانت الحديقة جزء من قصر الخديوي الذي عرف آنذاك بسراي الجيزة، وسميت بحدائق النباتات بالجيزة. ولشغف الخديوي بالجمال وحبه للحدائق فقد أنشأها لغايته الخاصة، وجلب إليها من مختلف أنحاء العالم العديد من الأشجار والشجيرات والأزهار النادرة.
وقام بتصميم الحديقة على الطراز الطبيعي مهندسون فرنسيون، وأشرف على تنفيــذها المهندس الفرنسي ج . دليشفاليرى ومعه كبير البستانيون المصريين السيد/ إبراهيم حمودة في ذلك الوقت.
ولقد تم فصل الجزئين الغربي والقبلي عن الحديقة الأم في عامي 1890 و 1934 م على الترتيب، حيث نتج عنهما حديقة الحيوان الحـالية ومساحتها 80 فدان وتبقى 28 فدان تمثل حديقة الأورمان بصورتها الحالية. كما عرفت حديقة الأورمان بحديقة الأمير حسين كمال إذ أنها كانت جزءا من حدائق قصر الأمير، ويقول ج. دلشفاليرى في كتابه عن حدائق القاهرة ومتنزهاتها (إن لسمو الأمير حديقة بقصره الرفيع بالجيزة تحوى أبدع مجموعة من الأشجار الأجنبية ونباتات الزينة، وكانت أجمل مجموعة أشجار بمصر خصص جانب كبير منها لزراعة شتى الفاكهة والخضر. وأفرد جانبا لا يقل أهمية عن سابقه لصنوف الأزهار التي حازت الجوائز الأولى في معارض فلاحة البساتين العديدة التي أقامتها بمصر جمعية فلاحة البساتين تحت الرياسة الفعلية للكونت اميدال بلومفيلد في القاهرة والإسكندرية).
وقد أوضحت المهندسة تريزة لبيب (إستشارى الحدائق المصرية) أن الحديقة تضم مجموعة نباتية هائلة تزيد أنواعها النباتية عن 1000 نوع نباتى، كما تضم أيضا مجموعة نادرة من الأنواع النباتية بعضها لا يوجد سوى فى حديقة الأورمان مثل الشجرة التى كان يصنع منها هنود الأمباتش فى أمريكا اللاتينية قواربهم وهى شجرة الأمباتش وهى من الأشجار المائية أى التى تنمو فى البحيرات وهى من أندر أنواع الأشجار على مستوى العالم (Aeschynomene elaphroxylon) – شجرة السيكوايا (Sequia sempervirens) وهى من أطول الأشجار ارتفاعا فى العالم ويفوق ارتفاعها ال 100 متر فى موطنها الأصلى بكاليفورنيا ويوجد منها بالفعل هناك شجرة تم صنع نفق للسيارات بداخلها – شجرة المورينجا (Moringa peregrina) وهى أقدم شجرة منزرعة فى مصر من هذا النوع جلبت للأورمان من جبل علبة وزرعت فى الثلاثينات من القرن الماضى - وشجرة الكوكولوبا (Coccoloba peltata) وهى النموذج الوحيد فى مصر من هذا النوع النباتى وغيرها. وهناك مجموعة كبير من الشجيرات والأشجار الضخمة التى يقارب أو يزيد عمرها عن مئة عام مثل التاكسوديم (Taxodium disticum var) – الأجاسس (Agathis robusta) – الصنوبر (Pinus sp) – القرفة (Cinnamomum zelanicum).
كما تضم بداخلها مجموعة من الحدائق المتخصصة مثل حديقة النباتات العصارية والشوكية، كما تضم حديقة الورد بأقسامها الغاطسة والتى تضم مجموعة نادرة من الورد بأنواعه القزمية والمتسلقة وهجن الشاى. وأيضا تضم الحديقة أكبر تجمع لأشجار وشجيرات المخروطيات مثل الصنوبر وغيره فى مصر، بالإضافة إلى ذلك تقول المهندسة ميرفت عبد الرحيم (مدير المعشبة) أن الحديقة تضم العديد من الأقسام التى تخدم الرسالة الثقافية والعلمية التى تؤديها الحديقة مثل أقسام الرسم والمعشبة النباتية و تبادل البذور والمشاتل وصوبات إكثار النباتات، كما أنها من الحدائق القليلة المصممة من بداية إنشائها على أحد طرق تصميم الحدائق النباتية وهو تصميم أنجلر. مما يجعل الحديقة كنز نباتيا يندر أن يوجد مثله.
ومؤخرا نتيجة الاعتصام الموجود حاليا فى ميدان النهضة وشارع جامعة القاهرة، تم اقتحام الحديقة وطبقا لروايات شهود العيان تم تدمير المسطحات الخضراء بها والتى تزيد مساحتها عن 84000 متر مربع تدميرا كاملا، وتبلغ تكلفة إعادة إنشائها ما يقرب من 3 مليون جنيه. كما تم اختفاء أعداد كبيرة من الأنواع النباتية بقسم النباتات العصارية والشوكية بالحديقة وكانت توجد به أقدم وأندر مجموعة نباتية فى مصر من هذه النباتات والتى يقدر ثمنها بعض الخبراء المتخصصين فيقول أن قيمتها المادية تفوق ال 20 مليون جنيه، هذا بالإضافة إلى القيمة العلمية والتاريخية.
كما تضم الحديقة أقدم وأندر مجموعة من أنواع البامبو والنخيل واشباه النخيل فى مصر، والتى يزيد ارتفاع بعض نباتاتها عن ال 20 مترا وتم تخريب جزء كبير منها. وكذلك تم تخريب العديد من المشايات. وإقامة أكثر من 10 دورات مياه عشوائية بعد أن اقتحم المعتصمون الحديقة وأزالوا أجزاء كبيرة من أسوار الحديقة لتسهيل دخولهم للحديقة ومنعوا دخول الزائرين للحديقة.
ويقدر بعض المختصون فى إنشاء الحدائق الخسائر الحادثة بما يقرب من 100 مليون جنيه كتقدير أولى حتى يتسنى إعطاء التقدير النهائى بعد إجراء جرد شامل بواسطة لجنة متخصصة. ويضيف البعض الآخر أن إعادة تأهيل الحديقة لتعود لما كانت عليه قد يصل إلى 500 مليون جنيه. وقد يظن البعض أن هذا الرقم مبالغ فيه. ولكن بسؤال الاستاذ الدكتور السعدى محمد بدوى (أستاذ بساتين الزينة – بكلية الزراعة جامعة القاهرة) ومصمم حديقة الأزهر بارك أفاد بان الحديقة سالفة الذكر قد تكلف إنشاؤها 150 مليون دولار عام 2003.
كما إعادة الحديقة لما كانت عليه تعنى إعادة زراعة الأنواع المفقودة بمثيلاتها من حيث النوع والعمر، وإذا كان ممكنا توافر النوع يبقى توافر العمر المماثل الذى سيكون باهظ الثمن جدا إن وجد.
مما يدعونا لسرعة إطلاق مبادرة محلية وعالمية لمحاولة إنقاذ حديقة الأورمان من المصير الذى ستؤول إليه والذى بات يهددها بين لحظة وأخرى. ويضم الشق المحلى أولا مناشدة جميع هواة ومربى نباتات الزينة والأشجار والشجيرات النادرة بالتبرع بنماذج من هذه النباتات والأشجار والشجيرات للحديقة لاستعادة الفاقد منها على أن يتم وضع لوحة على كل شجرة باسم المتبرع بها. ثانيا التنسيق مع منظمات المجتمع المحلى المعنية بالحدائق والحفاظ عليها وتطويرها
وعلى المستوى العالمى التواصل أولا المنظمات الدولية المعنية بمثل هذه الأمور مثل منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (UNESCO) ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (FAO) وغيرها.
ثانيا مع جميع الحدائق النباتية فى الدول التى تتعامل معها الحديقة من خلال قسم تبادل البذور الموجود بها لإرسال نماذج من الأنواع النادرة التى كانت موجودة بالحديقة وتم تدميرها.
على أن يتم التنسيق بين جميع المشاركين من الهيئات الدولية ووزارة الزراعة وكليات الهندسة ومحافظة الجيزة ومنظمات المجتمع المحلى وغيرها لتعود الحديقة لسابق عهدها أو لأقرب ما يكون له.
إن ما يحدث فى حديقة الأورمان هو جريمة اقتصادية وحضارية وتراثية وثقافية وعلمية مكتملة الأركان. ومن يقومون بهذه الجريمة لا يدركون أبعاد وحقيقة الجرم الذى يقومون به فى حق بلدهم.
وعليه أناشد جميع المهتمين بتبنى هذه المبادرة ودعمها قبل أن يفوت الأوان وتندثر حديقة الأورمان النباتية التى قد لا نستطيع تعويضها أو تعويض نباتاتها النادرة خاصة ما تجاوز من قرنا من الزمان إلى الأبد...
No comments:
Post a Comment
Note: Only a member of this blog may post a comment.