Monday, November 17, 2014

حصرى ونادر من ذاكرة التاريخ : نشأة بورسعيد و حفل إفتتاح القناة


حفل افتتاح قناة السويس هو حفل دعا إليه الخديوى إسماعيل أباطرة وملوك العالم وقريناتهم لحضور حفل افتتاح قناة السويس والذي تم في 16 نوفمبر 1869، وقد كان حفلا أسطوريا.

كان طبيعيا أن تكون البداية هي الاهتمام بزى العساكر وخاصة العاملين بالجوازات والصحة لأنهم في طليعة المستقبليين للملوك كما روعى الاهتمام بنظافة المدينة وتم حث التجار على توريد الخضروات واللحوم والأسماك كبيرة الحجم لبورسعيد لمواجهة الطلبات المتزايدة كما روعى إحضار الثلج من القاهرة كذلك جهز عدد من السفن لإحضار المدعوين من الإسكندرية إلي بورسعيد.

 
في الثامن عشر من يناير عام 1863 توفى الخديوي محمد سعيد باشا الأب الروحي لحفر قناة السويس وقد خلفه الخديوي إسماعيل صاحب الإنجازات العديدة في مصر ليستكمل حفر قناة السويس ، ومما يذكر أن الخديوي إسماعيل تم في عهده إنشاء القصور الفخمة مثل قصر عابدين وقصر رأس التين وقصر القبة كما أنشئت دار الأوبرا وأنشأ كوبري قصر النيل وأستخدم البرق والبريد لأول مرة وتطورت السكك الحديدية واضيئت الشوارع ومدت أنابيب المياة في ربوع مدن مصر ..



ونعود إلى بورسعيد ، حتى أوائل شهر نوفمبر من العام 1869 لم يكن ثم أي بوادر أو مظاهر تنم على أنه هناك إحتفال ضخم يعد له في بورسعيد وذلك لعدم ورود أية تعليمات بهذا الشأن إلى المحافظة بالرغم من الإستعدادات التي كانت تجري على قدم وساق في محافظة الإسماعيلية لإستقبال إمبراطورة فرنسا (أوجيني) منذ شهر أكتوبر .




وقد أبلغ دليسبس محافظة بورسعيد بعد ذلك بأن الخديوي قد أذن في إجراءات الزينة ، بعدها شهدت بورسعيد الإستعدادات الضخمة لحفل إفتتاح قناة السويس وكان الإهتمام بكل شيء من سمات هذا الإحتفال الكبير التاريخي ، فقد روعي على سبيل المثال الإهتمام بملابس العساكر وخاصة من يعملون بالجوازات والصحة لأنهم من سيكونون في طليعة المستقبلين للملوك والرؤساء المدعون لحفل الإفتتاح .

 

وصرفت إليهم ملابس من الجوخ لهذه المناسبة ، كما روعي العمل على نظافة الأماكن التي سيزورها أو سيمر بها الزوار مثل أحواض الميناء بالإضافة إلى إعداد ما يلزم للمآدب التي ستقام لهم ، بإحضار مثلا الثلج من القاهرة وإعداد أنواع معينة من الأسماك الطازجة بأحجام كبيرة إستعدادا لهذا الحفل العظيم ، وقد أعربت محافظة دمياط عن رغبة تجارها في إرسال المأكولات والخضروات إلى بورسعيد لمواجهة متطلبات الأعداد الكبيرة من المدعويين المصريين والأجانب الذين وفدوا إلى بورسعيد . 


كما تم تجهيز عددا من السفن بميناء الإسكندرية لنقل المدعوين إلى بورسعيد . كما تم إستقدام طلمبة للحريق بعساكرها إستعدادا للطواريء ، وتم دهان الأدوات والأسلحة الخاصة بالعساكر وأضيئت بورسعيد بالفوانيس وإرتفعت الأعلام وبدت بورسعيد في أبهى حلة وأجمل زينة .

 

وفى أوائل نوفمبر 1869 أخطر ديليسبس محافظة بورسعيد بأن الخديوى أذن في بدء إعداد الزينات وعلى الفور تم إخلاء الشوارع وترتيب العساكر اللازمين لحفظ الأمن وامتلأت بورسعيد بالمدعوين وكان الخديوى قد طلب من مديرى الأقاليم أن يحضروا عدد من الأهالى بنسائهم وأطفالهم لحضور حفل الافتتاح فانتشروا على خط القناة من فلاحين ونوبيين وعربان بملابسهم التقليدية حتى أن الإمبراطورة أوجيني أبرقت إلى الإمبراطور نابليون الثالث بأن الاحتفال كان فخماً وأنها لم ترَ مثله في حياتها ومما زاد الأمر أبهة هو اصطفاف الجيش والأسطول المصري في ميناء بورسعيد بالإضافة لفيالقه على ضفاف القناة.


الخديوي إسماعيل باشا أواخر أيامه

وأقيمت 3 منصات خضراء مكسوة بالحرير خصصت الكبرى للملوك والأمراء والثانية لليمين لرجال الدين الإسلامي ومنهم الشيخ مصطفى العروسى والشيخ إبراهيم السقا والثالثة لليسار خصصت لرجال الدين المسيحي وجلس بالمنصة الكبرى الخديوى إسماعيل ومسيو دى لسبس والإمبراطورة أوجينى إمبراطورة فرنسا وفرنسوا جوزيف إمبراطور النمسا وملك المجر وولى عهد بروسيا والأمير هنرى شقيق ملك هولندا وسفيرا إنجلترا وروسيا بالآستانة والأمر محمد توفيق ولى العهد والأمير طوسون نجل محمد سعيد باشا وشريف باشا ونوبار باشا والأمير عبد القادر الجزائري وقد بلغ عدد المدعوين من ذوى الحيثيات الرفيعة زهاء ستة ألف مدعو وحتى يوم 15 نوفمبر كان قد تم استدعاء خمسمائة طباخ من مرسيليا وجنوة وتريستا.



[خيام المبيت في حفل إفتتاح القناة ببورسعيد]


وكانت بورسعيد قد ضاقت بالمدعوين في ذلك اليوم والذين وفدوا إليها من شتى أنحاء العالم في لهفة وشوق لحضور حفل الإفتتاح ورؤية بورسعيد تاج القناة ورأس الإحتفال . وكان الخديوي قد أوعز إلى مديري الأقاليم بإرسال عدد من الأهالي بنسائهم وأطفالهم وأدواتهم البيئية فإنتشروا على طول القناة من عربان وفلاحين وصعايدة وسودانيين وغيرهم ليمثلوا لوحة بانورامية حتى أن الإمبراطورة أوجيني أرسلت إلى الإمبراطور نابليون الثالث فور وصولها تصف له الإستقبال بأنه كان فخما وأنها لم تر في حياتها ما يماثل ذلك .


واصطف العساكر عند رصيف النزول لحفظ الأمن ومنع الازدحام وكانت المراكب الحربية اصطفت على شكل نصف قوس داخل ميناء بورسعيد في منظر بديع وبعد أن تناول الجميع الغذاء على نفقة الخديوى صدحت الموسيقى بالغناء وبعزف النشيد الوطني وتلا الشيخ إبراهيم السقا كلمة تبريك وقام أحبار الدين المسيحي وأنشدوا نشيد الشكر اللاتيني.



[السفن تصطف في ميناء بورسعيد أثناء الإحتفال بإفتتاح القناة 1869]

وكان الإسطول المصري قد إصطف في ميناء بورسعيد القسيح وخيمت الفيالق المصرية على ضفاف القناة حتى مدينة الإسماعيلية لحفظ النظام وزيادة البهجة .
 

وفى المساء مدت الموائد وبها شتى أنواع الأطعمة والمشروبات وانطلقت الألعاب النارية والتي تم استيرادها خصيصاً لهذا الغرض وتلألأت بورسعيد بالأضواء وأنغام الموسيقي.

 

المنصة الرئيسية في حفل إفتتاح القناة ببورسعيد بتاريخ نوفمبر 1869

استخدم إسماعيل تلك المناسبة لإظهار مدى حضارة مصر ولمحاولاته إظهار مزيد من الاستقلالية عن الآستانة.



[منصات الإحتفال بإفتتاح قناة السويس ببورسعيد]

وأقيمت ببورسعيد ثلاث منصات مكسوة بالحرير والديباج خصصت الكبرى للملوك والأمراء وكبار المدعوين والثانية إلى اليمين لرجال الدين الإسلامي وفي مقدمتهم الشيخ مصطفى العروسي والشيخ إبراهيم السقا والشيخ محمد المهدي والثالثة إلى اليسار لرجال الدين المسيحي ، وجلس في المنصة الكبرى الخديوي والإمبراطورة أوجيني وفرنسوا جوزيف إمبراطور النمسا وملك المجر والأمير فريدريك ولهلهم ولي عهد بروسيا والأمير هنري أخو ملك هولندا والأميرة قرينته والسير هنري أليوت سفير إنجلترا بالآستانة وقرينته والأمير مورا والأمير محمد توفيق باشا ولي العهد والأمير هوهنلوه والجنرال أجناتيف سفير روسيا في الأستانة وقرينته والأمير طوسون نجل محمد سعيد باشا وشريف باشا وتوبار باشا وشاهين باشا ورياض باشا والمسيو فردينان دليسبس والأمير عبد القادر الجزائري والمسيو دوبست والكونت أندراسي من وزراء النمسا والبارون برونكش سفير النمسا في الأستانة .. إلخ .



[صورة حصرية للإمبراطورة أوجيني وفي إستقبالها نوبار باشا]

كل هذا دون حضور السلطان العثماني وذلك حتى لايقلل من شأن الخديوي إسماعيل ويكون رمزا على إستقلاله بحكم مصر . وقد بلغ عدد الشخصيات ذو الحيثيات الرفيعة ستة آلاف شخص حيث كلف الخديوي مسيو دليسبس بإستقبالهم وخلال بضعة أيام أعدت الأكشاك لإقامة ستمائة شخص مع توفير الخدمات اللازمة لهم ، وكان الخديوي قد قام بإستحضار خمسمائة طباخ وألف خادم من تريستا وجنوة وليفورن ومرسيليا وتم ذلك في 15 نوفمبر قبل اففتتاح بيومين .



وصف الإحتفال

كانت العساكر قد إصطفت بين رصيف النزول والمنصات الخشبية لحفظ النظام ومنع الإزدحام وإصطفت الطوبجية أيضا بين الرصيف الداخل في البحر من جهة الغرب ومكان الإحتفال ، وكانت المراكب التجارية والحربية داخل ميناء بورسعيد تقف على شكل قوس ذو منظر بديع ، وبعد أن تناول الجميع الغذاء على نفقة الخديوي ، أخذت الموسيقى تعزف ، وبعد عزف النشيد الفرنسي وحضور الإمبراطورة أوجيني إلى مكان الحفل وكذلك الخديوي وكبار المدعوين دوت المدافع بالطلقات ثم قام علماء المسلمين بتلاوة أدعية الشكر والحمد ، ثم ألقى الشيخ إبراهيم السقا كلمة باللغة العربية ، ثم قام قساوسة المسيحية فأنشدوا نشيد الشكر اللاتيني (التدثيم) وشاركهم فيه كل من شاء من المسيحيين وفي مقدمتهم الإمبراطور والإمبراطورة وبعدها ألقى المنسنيور باور بصوته الجهوري خطابا وجهه إلى الخديوي والإمبراطورة والإمبراطور .



[مأدبة الغداء التي أقامها الخديوي في إفتتاح القناة]

وفي المساء أعدت الموائد للمدعوين وبعد أن شربوا أفخر أنواع الخمور كانت الزينات تزين شاطيء آسيا وأفريقيا وكانت مدينة بورسعيد كلها مضاءة بأنوار ساطعة جميلة متلقلقة ، وانطلقت الألعاب النارية في سماء بورسعيد والتي كانت غير معروفة في بر مصر وقد أستوردت خصيصا من أجل هذا الغرض .


الخديوي إسماعيل كان قد كلف عدد من الرساميين بتوثيق الحدث في عده لوحات. وتوجد بعض تلك اللوحات معلقه في البوم حائطي في يخت المحروسه الملكي في مصر. 

 

منشات انشات للحفل 

و قد تم إنشاء كوبري قصر النيل وذلك الذي أشرف على أنشأه المهندس غوستاف إيفل وهو يع من أجمل كبارى العالم في التخطيط والأنشاء. و قصر القبة الذي انشأه لكي يمروا عليه الملوك المدعوين والعديد من القصور والكباري الأخرى وقد تكلفت نفقة هذا الحفل العظيم مليون جنيه ونصف وهو رقم فلكي في ذلك الوقت



وإزاء هذا البزخ والإسراف الواضح في إحتفال القناة الذي بدأ في بورسعيد يوم 16 نوفمبر عام 1869 وشهدت الإسماعيلية حفلا رائعا في اليوم التالي ، ومن ذلك يتضح مدى التكاليف الباهظة التي تكلفتها مصر بدءا من الدعوة المجانية للزوار للحضور إلى مصر وإقامتهم وجولاتهم داخل البلاد ونفقات الإحتفالات الضخمة والمآدب والخمور بجميع أنواعها ، وقد بلغ عدد الملوك والرؤساء والمشتغلين بالفنون والصحافة والتجارة والإقتصاد والسياسة نحو تسعمائة شخص .



ومن الطبيعي أن هؤلاء قد ذكروا عن هذا الإحتفال في كتاباتهم ومن هنا جاءت شهرة بورسعيد تلك المدينة الوليدة والميناء الجديد على شواطيء البحر المتوسط .