Sunday, April 5, 2015

المقاهي في مصر المحروسة : قهوة متاتيا { تاريخ من النضال و الكفاح }


ترتبط المقاهي في مصر المحروسة بتاريخ من الكفاح فمنها تهب رياح الثورات و نسمات التغيير و فيها يولد الأدباء و المفكرون و ينشرون الثقافة و رسالات التنوير من فوق كراسي المقاهي و من بين زواياها ..

و من أبرز هذة المقاهي مقهى عمارة “متاتيا” فما هي حكاية هذا المقهى ؟

كانت أرض “عمارة متاتيا” فى القرن الـ 19 أرضا خلاء ، ولذا كان ميدانا العتبة والأوبرا الحاليين ميدانا واحدا اسمه “ميدان أزبك” نسبة إلى أزبك باشا العثمانى الذى اتخذ من تلك المنطقة المركزية فى وسط القاهرة مقرا له ..

مقهى متاتيا

«قهوة متاتيا» أنشئت عام 1875 وكانت تطل على ميدان العتبة.. لكنها لم تكن مجرد مقهى، كانت جامعة أسهمت فى الكثير من التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية التى شهدتها مصر فى القرن ال91 وأوائل القرن العشرين. فى «قهوة متاتيا» حكايات وأفكار.. هنا نبيع الكلام ونشتريه.. «المعلم» فيها جمال الدين الأفغانى، بيمناه يوزع الأمل وبيسراه ينشر الثورة.. وعلى المقاعد يجلس سعد زغلول ومحمد عبده وحافظ إبراهيم والعقاد والمازنى، يتحدثون عن الوطن بآماله وآلامه، ولكن بأقلام أحفادهم.. 


فى العام 1869م وبمناسبة الاحتفالات العالمية التى صاحبت افتتاح قناة السويس كلف الخديوى إسماعيل المهندس الفرنسى هوسمان بإعادة تخطيط الميدان ، لكن ولأسباب غير معروفة ترك هوسمان المهمة و تولى الأمر بعده مهندس إيطالى حباه الله بنزعة فنية فى تصميماته ، اسمه ( متاتيا ) و قد قام بتحديث المنطقة المركزية لمدينة القاهرة ، وخطط حديقة الأزبكية وصمم دار الأوبرا فى مكانها التاريخى الشهير قبل أن تحترق (‏حاليا‏:‏ جراج الأوبرا المتعدد الطوابق بعد أن نقلت الأوبرا إلى منطقة الجزيرة الواقعة بين ميدانى التحرير بالقاهرة والجلاء بالدقى‏).


اختلفت المصادر حول العام الذى بنيت فيه عمارة ” متاتيا ” الشهيرة التى حملت اسم المهندس الإيطالى والتى حملت أيضا اسم المقهى الشهير فبين أعوام (1870 و1875 و1877) أنشأ المهندس سالف الذكر عمارة شامخة فى القلب من ميدان العتبة، وحتى ذلك الوقت كانت عمائر القاهرة لا تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة وبطبيعة الحال كانت عمارة متاتيا المبهرة أشهرها على الإطلاق‏، لعدة أسباب أولها: أن بها واحدة من أهم اللوكاندات (لوكاندة مصر).


ثانيا: أن المهندس متاتيا استقدم عددا من فرق الأوكروبات الأوروبية التى كانت تقيم عروضها أسفل العمارة ومنذ ذلك الحين شغلت الناس وأصبحت ملء السمع والبصر، ثالثا:‏ أن المهندس أنشأ مقهى عموميا حمل اسمه واسم العمارة (متاتيا).‏

وكان هذا المقهى هو الأكبر ‏‏فى القاهرة من حيث المساحة، والأهم من حيث الموقع الجغرافى حيث كان يطل على ترام العتبة الشهير الذى أنشأه الخديوى، وكان يشغل بقية واجهة عمارة متاتيا المطلة على ميدان العتبة‏.‏


و قد جلس على مقاعد هذا المقهى شخصيات ذات أسماء رنانة فى تاريخنا ، أبرزهم على الإطلاق جمال الدين الأفغانى الذى ألقى أول خطاب سياسى له من هذا المقهى كما أسس من خلاله أول حزب سياسى فى التاريخ الحديث ..

المهم فى أمر المقهى أن عددا من الرواد والزعماء والمشاهير ليس المصريين فحسب، بل من كافة البلدان العربية، اتخذوا منه مكانا يجلسون فيه ويلتقون خلاله بأصدقائهم بل ويمارسون أنشطتهم الثقافية والتنويرية بين أركان المقهى وفوق كراسيه.
ولعل أبرز هؤلاء بالترتيب الزمنى هم:

• أديب إسحق الصحفى الشامى المصرى (1856 ـ ‏1885م).
• الشيخ جمال الدين الأفغانى (1838 ـ 1897م).
• عبد الله النديم )1842 – 1896م).
• الشاعر اللواء محمود سامى البارودى (1839 – 1904م).
• الشيخ محمد عبده‏ (1849 – 1905م).
• الزعيم سعد باشا زغلول‏ (1858 – 1927م).
• إبراهيم بك الهلباوى بك أول نقيب للمحامين سنة ‏1912‏.
• واشتهر بين الناس بمرافعاته الناجحة وتوفى سنة ‏1940م.
• المحامى إبراهيم بك اللقانى.
• عبد السلام باشا المويلحى (توفى 12 ديسمبر 1910م).
• محمد بك عثمان جلال، أحد أعيان محافظة بنى سويف (1828 – 1898م). ‏
• شاعر النيل حافظ إبراهيم (1872 – 1932م).
• أمير الشعراء أحمد بك شوقى (1968 ـ 1932م).
• الشيخ عبد العزيز البشرى (1886 – 1943).
• الأديب الشهير إبراهيم عبد القادر المازنى (1890 – 1949م).
• عملاق الأدب العربى عباس محمود العقاد‏ (1989 ـ 1964م).
• المناضل التونسى الحبيب بورقيبة، الذى أصبح بعد ذلك أول رئيس للجمهورية التونسية (1903 – 2000). 


الأفغانى وخطبته التاريخية

ارتبط اسم مقهى متاتيا باسم المناضل والمصلح الكبير جمال الدين الأفغانى، الذى يصفه كثير من الأدباء بأنه كان يوزع السعوط (النشوق أو التبغ المطحون) بيمناه والثورة بيسراه ولا يتوقف عن تدخين الشيشة طوال اليوم، وعلى هذا المقهى ألقى الأفغانى أول خطبة سياسية له وهذا نصها:

“إنكم معاشر المصريين قد نشأتم فى الاستعباد وربيتم بحجر الاستبداد وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك الرعاة حتى اليوم وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين تسومكم حكوماتكم الحيف والجور، وتنـزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون بل راضون، وتستنزف قوام حياتكم ومواد غذائكم المجموعة بما يتحلب من عروق جباهكم بالمقرعة والسوط، وأنتم ضاحكون، تناوبتكم أيدى الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد، والمماليك، ثم الفرنسيين والعلويين كلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفه وأنتم كالصخرة الملقاة فى الفلاة لا حس لكم ولا صوت، انظروا أهرام مصر وهياكل ممفيس وآثار طيبة ومشاهد سيون وحصون دمياط شاهدة بمنعة أجدادكم، وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرشيد فلاح. عيشوا كباقى الأمم أحرارا.. أو موتوا شهداء مأجورين”.


وهكذا لعب المقهى دورا لا يمكن تجاهله فى الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية المصرية منذ إنشائه وحتى هدمه، وبه كانت شرارة أول تجمع سياسى فى مصر وسمى بتجمع “الوطنى الحر” على يد الأفغانى (ويصنف عند بعض المؤرخين باعتباره أول حزب سياسى أيضا قبل حزب مصطفى كامل 1907م)، ولأهمية الأفغانى وارتباط المقهى به وبدوره فى مصر، وضع الناس صورة كبيرة له، على أحد جدرانه.


النهاية المأساوية

فى ظهيرة يوم 12 أكتوبر 1992م، كانت مصر على موعد مع زلزال مخيف ضرب القاهرة وعدد من المحافظات بقوة 5.5 درجة على مقياس ريختر، ولأن التربة المصرية والبنى التحية غير مؤهلة لتحمل هذا النوع من الكوارث الطبيعية، فقد أحدث الزلزال وتوابعه التى استمرت قرابة أربعة أيام تصدعا بعدد من المبانى الأثرية المهمة خاصة فى وسط القاهرة المفعمة بالجمال التراثى الذى نال منه الزلزال منالا كبيرا.


وخلال 7 سنوات بعد الزلزال ظلت عمارة متاتيا ثابتة متماسكة حتى صدر أمر من محافظ القاهرة عام 1999م، بهدم أدوار عمارة متاتيا الأثرية، ثم هدم كل ما تبقى منها لصالح مشروع نفق الأزهر، فكانت تلك نهاية أحد أشهر المقاهى فى مصر والذى كان شاهدا على حروب عالمية وصولات وجولات سياسية ومعارك فكرية وأدبية وثورات وقامات.


المقاهى والشعر

يقول الشاعر اللبنانى شوقى بزيع فى أبيات تاريخية عن أهمية المقهى فى وجدان الناس:

أيها المقهى كلانا لم يعد يعرف
هل تحمله الصخرة أم يحملها
وأنا مثلك
مرفوع على أجنحة الحبر التى شاخت
ولا أدرى متى أسقط
عن ظهر السماوات التى تسندنى.

وخلال 7 سنوات بعد الزلزال ظلت عمارة متاتيا ثابتة متماسكة حتى صدر أمر من محافظ القاهرة عام 1999م ، بهدمها لصالح مشروع نفق الأزهر، فكانت تلك نهاية أحد أشهر المقاهى فى مصر والذى كان شاهداً على العصر .....