Wednesday, June 8, 2016

حكـــــايات صوفيــــــــة | «الرفــــــــــــاعيــــــــــــــــــــــــــة»

حكايات صوفية| «الرفاعية»: يلعبون بالنار والثعابين ويركبون الأسود ومسجدها يدفن به الملوك


مع بدايات القرن الثالث الهجري بدأت الحركات الصوفية في الظهور مع مناداة البعض بالزهد والتوقف عن الصراعات والعودة إلى الله، وكانت في بداية انطلاقها حركات فردية ثم صارت طرقا ومشايخ كبار يقصدهم الناس لقاء حوائجهم بما اشتهروا به من زهد وورع، حيث يمتلئ التاريخ الإسلامي بعلماء انتسبوا للتصوف، مثل شمس التبريزي، جلال الدين الرومي، والإمام أبو حامد الغزالي، والعز بن عبد السلام، وبن عطاء السكندري، والمرسي أبو العباس والسيد البدوي، وغيرهم مئات من العلماء والشيوخ.


ويضم مصطلح الصوفية العديد من الطرق بين طياته فهناك القادرية والشاذلية والنقشبندية والرفاعية والأحمدية البدوية والدسوقية والكركية والعروسية والخلوتيه، فمصر فقط بها ما يفوق عن 70 طريقة صوفية.


وتنتشر الطرق الصوفية في مختلف دول العالم من الهند إلى مصر للمغرب وأسبانيا الأندلس سابقا وتركيا والعديد من دول العالم، ولكل دولة طريقة أساسية تشتهر بها والباقي تكون طرق ثانوية يعتنقها بعض المريدين، وكل واحدة شيخها وأعلامها وكتبها والكرامات الموروثة من مؤسسيها، بحسب ما جاء في موسوعة الطرق الصوفية، ومواقع الطرق الصوفية المختلفة.


وسأستعرض طريقة صوفية كل يوم، من بينها «الرفاعية» التي أستعرضها في الحلقة الثانية اليوم.


«الطريقة الرفاعية»

تعتبر الطريقة الرفاعية واحده من أشهر الطرق الصوفية في العالم العربي، وفي العراق تحديدًا، كما تنتشر في مصر، وتتساوى مع الطريقة الشاذلية التي تنتشر في محافظات بحري، بينما تنتشر الرفاعية في العديد من محافظات الوجه القبلي، وأيضًا انتشار كبير في باقي محافظات مصر.


وتنتسب الطريقة الرفاعية إلى الفقيه الأشعري أحمد بن علي الرفاعي، المقلب بـ«أبوالعلمين وشيخ الطرائق والشيخ الكبير»، ولد الرفاعي في قرية البطائح بالعراق، وهذا ما يسفر سبب انتشار الطريقة في العراق وسوريا وغرب آسيا وفي مصر، والتي يقال أن وجودها في مصر يعود إلى نسله الذين قدموا إلى مصر، وساهموا في نشرها وعلى رأسهم الشيخ أبوالفتح الوسطى الذي وفد على مصر من العراق وأقام بالإسكندرية.


ويشتهر الرفاعيه وخاصة في مصر بالقيام بأفعال غريبة مثل اللعب بالنار والثعابين وركوب الأسود، وهي أشياء لم تكن في الطريقة منذ بدايتها لكنها ظهرت بعد وفاة الإمام الرفاعي المؤسس على يد أتباعه، وهي من أسرار الطريقة، حيث يتعلم بعض كبار الطريقة أسرار معينه تزيد من قدراتهم في ترويض الحيوانات والثعابين يطلقوا عليها كرامة الرفاعي.


وصحيح أن الطريقة الرفاعية معروفه ومشهورة في كل مصر، إلا أن شهرتها تتزايد بشكل مستمر في محافظات الصعيد وتحديدا قنا، وأسيوط، والمنيا، والأقصر، وأسوان وفي بحرى تنتشر في المنوفية، والغربية، وكفر الشيخ ولها العديد من الأتباع والمريدين ويعود الفضل فى إنتشار الطريقة بمصر إلى الشيخ المؤسس أحمد عز الدين الصياد الرفاعي، حفيد الإمام الرفاعي المؤسس، وجاء إلى مصر من العراق وتزوج فيها أحد الفتيات ويعود نسبها إلى صلاح الدين الأيوبي، وظل في مصر ودفن بها، ومن أهم معالمهم في مصر مسجد الرفاعي الشهير في القاهرة.


ويقوم منهج الطريقة الرفاعية على الالتزام بالكتاب والسنة، وعدم مجاراة موتى القلوب، وموافقة السلف على ما هم عليه، وترك الدنيا، ومجاهدة النفس، والصبر على البلاء والاستسلام له.


ومن قواعد هذه الطريقة “الخلوة” مرة كل سنة، لمدة سبعة أيام، تبدأ باليوم الثاني من عاشوراء (أي في الحادي عشر من محرم) إلى مساء اليوم السابع عشر، فيكون للمختلي فراشه، الذي لا تشاركه فيه زوجته ولا غيرها، ويكون على وضوئه باستمرار، ويخلو طعامه من كل ذي روح، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه (100) مرة، وأن يكون ذكره بعد الراتب بالعدد الذي يسمح به استعداده، في اليوم الأول: «لا إله إلا الله»، وفي الثاني: «يا الله»، وفي الثالث: «يا وهّاب»، وفي الرابع: «يا حي»، وفي الخامس: «يا مجيد»، وفي السادس: «يا معطي»، وفي السابع: «يا قدوس».


وغالبا ما يجعل الورد العام ليلتي الجمعة والإثنين، والورد الخاص كل يوم بعد العشاء، وطريقته التحلق، وكل فرد جاثٍ على ركبتيه، ويقرءون الفاتحة، ويستأذنون على الرسول صلى الله عليه وسلم وآل البيت والصحابة والأولياء و(سيد الأولياء) الرفاعي، بقولهم: دستور، ثم يختمون ذلك بطلب المدد، ثم يقرءون الورد وبعض سور القرآن، وبعض الأشعار.


ومن مراسمهم «عدة النوبة»، وهي عبارة عن الدفوف والطبول الأحمدية الكبيرة، يضربونها في ليالي الجمع، ويجتمعون عليها؛ لاعتقادهم أنها تنشط المريدين، وتروح عن القلوب.


وتشترط الطريقة فيمن ينضم إليها أن يكون له عمل يعتمد به على نفسه، وهذا الشرط وضعه مؤسسها أحمد الرفاعي، بل إنه حرم على من لا يجد عملا أن يضم إلى الطريقة لأنه من العاطلين، وتقسم مراتب العضوية في الطريقة إلى مريدين.


ولكل مجموعة من المريدين شيخ، ولكل مجموعة من الشيوخ شيخ سلك الطريق من قبل أن يوجههم ويسمى خليفة الخلفاء، ولكل مجموعة من الخلفاء خليفة.


وتبدأ طقوس الانضمام إلى الرفاعية بالبيعة التي يؤديها المريد للشيخ على السجادة، لاصقا ركبتيه ويقرأ الفاتحة، كما يقرأ عليه الشيخ البيعة، ويطلب منه الاستغفار والتوبة، ويردد المريد خلفه الرضا بمشيخته وإرشاده بطريقة الرفاعي، ويقيمه المرشد مريدا على هذا العهد، ثم يجلسه ويوصيه بتقوى الله، ويلقنه كلمة التوحيد، ويعلمه الذكر بلا إله إلا الله، ثم يضع جبهته على جبهته، ويده على صدره، ويدعو له بالتوفيق والإخلاص والبركة، ويختم دعاءه بالفاتحة، ويقوم مع المريد إلى القبلة ويصليان على النبي (أول الخلق)! وخاتم الرسل والأنبياء أجمعين، ثم يثنيان بالفاتحة.


كما تشترط الطريقة أن يكون المريد صاحب أدب وخشوع وخضوع، وعارفا بمقدار شيخه، منقادا له، لا يعترض عليه، ولا يصاحب له عدوا، ولا يباعد له صديقا، ولا يزور أحدا من صالحي الوقت بغير أمره وإذنه، ويكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل.


ومن أبرز رموز الطريقة حول العالم أبو الفتح الوسطي، وأبو الهدى الصيادي، الذي اعتلى أعلى المناصب في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، والشيخ أحمد كامل ياسين الرفاعي نقيب الأشراف فى مصر وتوفى 2008 ويتولى الطريقة فى مصر حاليا الشيخ طارق الرفاعى .


ورغم انتشار الطريقة الرفاعية في العديد من بلدان العالم، إلا أن غالبية الصوفية الرفاعية يأتون من كل حدب وصوب لزيارة مسجد الرفاعي الشهير بالقاهرة، والذي يقع في ميدان القلعة في مواجهة مدرسة السلطان حسن وقلعة صلاح الدين، ويتميز المسجد التفاصيل الدقيقة في الزخارف على الحوائط الخارجية والعمدان العملاقة عند البوابة الخارجية.


وكانت والدة الخديو إسماعيل هي أكثر من أراد بناء هذا المسجد، واستمر البناء 40 عامًا، ويحتوي مسجد الرفاعي على العديد من مقابر أكثر أفراد الأسر الحاكمة في مصر لهذا أصرت خوشيار هانم والدة الخديو إسماعيل على بنائه، وكلفت أكبر مهندسي مصر (في وقته) حسين فهمي باشا بتصميمه، ويوجد بداخل المسجد قبر الملك فاروق الأول، والخديوي إسماعيل ووالدته وقبر شاه إيران رضا بهلوي، ومحمد رضا بهلوي.