Wednesday, January 25, 2017

500 year ago-Ottoman invasion of Egypt 500 عام على الغزو العثمانى لمصر

500 عام على الغزو العثمانى لمصر.. مصـر الدرة الأغلى فى عمامة السلطان سليم

أمر السلطان سليم بإحصاء القتلى من الجانبين فكان أمام كل شهيد مصرى  أربعة قتلى من العثمانلى 

السلطان العثمانى كان يطوف القاهرة وكأنه يريد أن يطمس بطيفه الذى لا يمحى كل مكان مقدس 

أباح سليم لجنوده نهب القاهرة لمدة ثلاثة أيام، وبلغت حصيلة المذابح أكثر من عشرة آلاف مسلم”! 

بسقوط القاهرة توالى سقوط المدن العربية الكبرى : دمشق وحلب وبغداد وسامراء والبقاع المقدسة فى القدس والخليل والحجاز 

قامت السلطات العثمانية بفصل قضاة مصر ونوابهم وتعيين قضاة جدد للمذاهب الأربعة خضعوا لقاض تركى 


كانت مصر “الدُرة الأغلى فى عمامة السلطان سليم الأول” ومضت خمسة قرون لتصبح “الجائزة الكبرى” فى أحلام “السلطان أردوغان – أمير المؤمنين” ! الذى سعى لتحقيق حلمه بدعم مرتزقة المنظمات الإرهابية بالمال والسلاح، ونشر قواته فى شمال سوريا والعراق، وأصبحت له قاعدة حربية فى دويلة قطر على الخليج العربى وأخرى فى الصومال على خليج عدن !


تناسى أردوغان – الذى يحرص فى خطبه على التأكيد بأنهم “أحفاد العثمانيين العظام ولا بد أن نعيد أمجادهم” - أن مصر كانت الولاية الوحيدة التابعة بالاسم فقط إلى أن انفصلت عن “الباب العالى” فى عهد محمد على باشا.. تناسى أن الجيوش المصرية بقيادة العظيم إبراهيم باشا اجتاحت الولايات العثمانية فى جزيرة العرب وبلاد الشام حتى وصلت إلى مسافة 50 ك.م من إسطانبول.. تناسى أن الجيش المصرى والأسطول المصرى لقنا الجيوش العثمانية والأسطول العثمانى دروسا تاريخية فى فنون القتال.. ومن قبلهما جيش وأسطول روسيا القيصرية فى بحر القرم !!


وعند ذكر “الغزو العثمانى” يحرص مؤرخو أو كتاب ما يسمى بالإسلام السياسى على استخدام مصطلح “الفتح العثمانى”!! فى حين أن المؤرخ العظيم “ابن إياس” الذى عاصر وعاش تلك الأحداث.. شبه “الغزو العثمانى بغزو بنوخذ نصر لمصر القديمة الذى خرب البلاد كلها”.. كما قارنه بتدمير بغداد على يد المغول عام 1285م.. ووصف كيف “أباح سليم لجنوده نهب القاهرة لمدة ثلاثة أيام، وبلغت حصيلة المذابح أكثر من عشرة آلاف مسلم”! ووصفه ابن إياس بأنه “رجل متعطش للدماء، فظ عصبى لا ذوق له، لا يحافظ على كلمته ولا يعدل بين الناس، كما كان يتعاطى الخمر فيصبح ضعيف الشخصية، لم يتمتع بكرامة الملوك أو ما يتحلون به من آداب السلوك”!

ووصف جنود العثمانلى بأنهم “كانوا يقبلون على شرب الخمر ولم يكونوا حتى يقيموا الصلاة، وانتهكوا حرمة شهر رمضان وحرمة الأضرحة والأماكن المقدسة، وتحرشوا بالنساء فى الدروب، وكانوا يسرقون الطعام من الحوانيت، ويجبرون العامة على خلع الرخام من قصور المماليك وشحنها بالسفن المتجهة إلى إستانبول”! وعلى الرغم من أن شعب مصر محب للحياة والمرح فإنه “منع الاحتفالات العامة وعروض الفروسية التى كانت موضع إعجاب المصريين لبراعة فرسان المماليك” !



وقامت السلطات العثمانية بفصل قضاة مصر ونوابهم، وتعيين قضاة جدد للمذاهب الأربعة خضعوا لقاض تركى وطبقا لتعبير ابن إياس: “كان أجهل من حمار! لم يكن لديه فهم بالشريعة ونصب من نفسه وصيا على أخلاق النساء، فحد من حريتهن فى مغادرة منازلهن” !



وبسقوط القاهرة، توالى سقوط المدن العربية الكبرى : دمشق وحلب وبغداد وسامراء والبقاع المقدسة فى القدس والخليل والحجاز.. وسرق سليم أحد ألقاب سلاطين المماليك “خادم الحرمين الشريفين”! وانهار الوضع الاقتصادى والمالى بشكل غير مسبوق، كما شهدت الحقبة العثمانية السوداء “مضايقات ومظالم وأسوأ معاملة للأقباط والأرمن والشوام الكاثوليك واليهود واعتبروا جميعا فى نظر العثمانلى : "كفارا" طبقا لابن إياس والجبرتى.



لن أسرد الوقائع التاريخية للغزو العثمانى وما أعقبه من تداعيات رهيبة على مصر والمنطقة العربية، فكتُب التاريخ حافلة بالتفاصيل، ولكنى سأتحدث عن واحد من عظماء مصر.. سيرته جديرة حقا وغيره بعمل درامى ضخم بعيدا عن مسلسلات الهلس والبلطجة والدعارة ولا حول ولا قوة إلا بالله!

“ليون الإفريقى” يروى قصة سقوط إمبراطورية القاهرة



الرحالة الجغرافى “الحسن بن محمد الوزان” شخصية أندلسية فذة، اجتمع له من الخصال العلمية والإنسانية ما جعل جامعات أوروبا والجمعيات العلمية تقدره حق قدره، كان شغوفا بالرحلات وتسجيل مشاهداته فى مذكرات شبه يومية، كانت أساس كتابه “الجغرافيا العامة” اشتهر منه الجزء الثالث “وصف إفريقيا” الذى كتبه بالإيطالية ثم تُرجم إلى عدة لغات وضم تسع رحلات داخل بلاد المغرب ثم مصر والسودان والحجاز، التحق ببلاط ليون العاشر – Leon X الذى اشتهر برعايته للعلوم والآداب، وحظى الحسن بمكانة سامية لدى البابا حتى لقبه بـ”ليون الإفريقى”! وخلال زيارته للقاهرة فى نوفمبر عام 1516م عاصر ودون وقائع الغزو العثمانى حتى سقوط القاهرة – حاضرة الإسلام الكبرى – وشنق السلطان طومان باى، فكتب :



السلطان العثمانى كان يطوف القاهرة وكأنه يريد أن يطمس بطيفه الذى لا يمحى كل مكان مقدس، وكل حى وكل باب وكل نظرة مذعورة، وكان يتقدمه الرسل الذين لم يكونوا ينفكون عن الإعلان للناس أن يطمئنوا إلى سلامتهم وسلامة أرزاقهم، فى حين كانت تتواصل المذابح وعمليات السلب والنهب، وعلى بضع خطوات من الموكب السلطانى فى بعض الأحيان .



وكان الجراكسة أول الضحايا، وسواء كانوا مماليك أم من نسل المماليك فقد كانوا يطاردون بلا هوادة، وعندما كان يُقبض على أحد الأعيان من العهد القديم، كان يُركب على حمار ووجهه إلى مؤخرته وعلى رأسه عمامة زرقاء وحول عنقه عدد من الجلاجل، وكان يُطاف به بهذا الزى فى الشوارع قبل أن يُفصل رأسه، ثم يُعلق الرأس على عصا طويلة فى حين يرمى بالجسد إلى الكلاب، وكانت مئات العصى الطويلة قد زرعت فى أرض كل مخيم من المخيمات العثمانية على هذا النحو الواحدة بجانب الأخرى مؤلفة غابة جنائزية كان سليم يحب الطواف فيها .



ولم يلبث الجراكسة الذين خُدعوا بعض الوقت بالوعود العثمانية أن تخلصوا بالطبع مما كانوا يعتمرونه من عمائم خفيفة وطواق واعتمروا عمائم كبيرة ليذوبوا فى جموع الشعب، وبعد ذلك أخذ الجنود العثمانيون يعتقلون جميع المارة بلا تمييز، متهمين إياهم بأنهم جراكسة متنكرون مطالبينهم بدفع جزية لإخلاء سبيلهم، وعندما كانت الشوارع تخلو كانوا يكبسون البيوت، بحجة إخراج الجراكسة الهاربين من مخابئهم، ويقومون بالنهب واغتصاب النساء .


وفى اليوم الرابع، كان السلطان سليم فى ضاحية بولاق حيث نصب عسكره أكبر مخيماته، وكان قد شهد إعدام بعض الضباط ثم أمر بأن يُلقى بمئات الجثث التى فُصلت رؤوسها، وكانت تزحم المعسكر فى النيل على الفور، ثم انتقل إلى الحمام ليتطهر قبل الذهاب لصلاة المغرب فى مسجد قريب من الميناء، وما إن خيم الليل حتى عاد إلى المعسكر واستدعى إليه بعض معاونيه .



كان الاجتماع قد بدأ للتو عندما تعالى صخب غير مألوف: كانت مئات الجمال المحملة بُمشاقات مشتعلة قد هجمت على المواقع العثمانية مضرمة النار فى الخيم، وكان الظلام قد أسدل ستاره فاجتاح آلاف من المسلحين المعسكر، يساعدهم على ذلك الذعر الذى دب فيه، وكان على رأسهم طومان باى، وكان عسكره يضم جنودا بالطبع، لكنه كان يضم على الأخص أناسا من العامة والبحارة والسقائين وبعض الذين كان قد حُكم عليهم والتحقوا بالفرق الشعبية المسلحة، وكان بعضهم يحمل خناجر، ولم يكن مع بعضهم الآخر سوى المقاليع أو الهراوات، ومع ذلك فقد زرعوا الموت فى صفوف العثمانيين يساعدهم على ذلك الليل والمباغتة، وفى خضم المعركة حوصر سليم نفسه من كل صوب وكانت ضراوة حرسه وحدها هى التى أتاحت له شق طريق إلى الخارج، وأمسى المعسكر فى يد طومان باى الذى أمر أنصاره من غير أن يضيع لحظة واحدة بأن يلاحقوا عسكر الاحتلال فى جميع أنحاء القاهرة، وبألا يأخذوا أسيرا واحدا.



ولقد استعيدت العاصمة شارعا بعد شارع، وأخذ الجراكسة يطاردون الجنود العثمانيين بمساعدة الشعب النشط، وإذ غدا الضحايا جلادين فقد بدوا بلا رحمة، ولقد رأيت بنفسى غير بعيد من منزلى مصرع سبعة من الأتراك كانوا قد احتموا بالمسجد، فإذا كان نحو العشرين قاهريا يلاحقونهم، فقد لجأوا إلى أعلى المئذنة وشرعوا يطلقون نار بنادقهم على الحشد، لكنهم ما لبثوا أن قُبض عليهم وذبحوا و رُموا مسربلين بدمائهم من أعلى المبنى.

كانت المعركة قد بدأت مساء الثلاثاء، ويوم الخميس نزل طومان باى فى جامع شيخو بشارع الصليبة واتخذ منه مقرا لقيادته، وبدا أنه غدا سيد المدينة، حتى إنه خطب له مجددا فى الغداة من فوق المنابر.



بيد أن وضعه لم يكن أقل هشاشة من ذى قبل، فما إن انقضى هول المباغتة حتى كان العثمانيون قد تمالكوا أنفسهم فاستعادوا بولاق وتسربوا إلى القاهرة القديمة حتى أطراف الشارع، الذى أنا فيه وملكوا شبرا فشبرا ما كانوا قد فقدوه، وكان طومان باى يسيطر بشكل أساسى على الأحياء الشعبية فى الوسط، وقد منع الوصول إليها بحفر خنادق على عجل وبإقامة السواتر والحواجز .



وفى الشوارع كان القتال لا يزال ضاريا، وكان العثمانيون يحاولون وقد استردوا السيادة على معظم الضواحى أن يسيروا نحو القلب، لكنهم لم يكونوا يتقدمون إلا ببطء وهم يتلقون أفدح الخسائر، ومع ذلك فإنه لم يكن هناك من ريب فى نتيجة المعركة، فقد أخذ العسكر والمسلحون من الفرق الشعبية يفرون شيئا فشيئا من معسكر طومان باى، بينما ظل السلطان المملوكي يقاتل نهارا بطوله على رأس حفنة من المخلصين، وبعض رماة البنادق والجراكسة من حرسه الخاص، وعزم ليل السبت على مغادرة المدينة من غير أن يفقد مع ذلك شيئا من تصميمه على الصمود، وأشاع أنه سوف يعود عما قريب بمزيد من القوى لإخراج المجتاحين .



كيف السبيل إلى وصف ما فعله العثمانيون عندما تمكنوا من النفاذ مجددا إلى أحياء القاهرة ؟ فلم يكن الأمر فى نظرهم كما كان عند انتصارهم الأول، أى شل العسكر الجراكسة الذين قاوموهم، بل كان بعد الآن معاقبة جميع أهل القاهرة، فقد انتشر جنود السلطان العثمانى فى الشوارع حاملين أمرا بقتل كل ما يتنفس، ولم يكن فى وسع أحد مغادرة المدينة الملعونة لأن جميع الطرق كانت مقطوعة؛ ولا كان فى وسع أحد أن يجد ملاذا، لأن المقابر نفسها والجوامع تحولت إلى ساحات قتال، وقد أرغم الناس على الاختباء فى منازلهم ريثما يهدأ الإعصار، وسقط فى ذلك اليوم من الفجر إلى الهزيع الأخير من الليل أكثر من ثمانية آلاف قتيل، وكانت الشوارع ملأى بجثث الرجال والنساء والأطفال والخيول والحمير مختلطة فى موكب دموى لا نهاية له !



وفى الغداة نصب سليم فى معسكره رايتين إحداهما بيضاء والأخرى حمراء، وهى إشارة لرجاله بوقف الاقتصاص ورفع السيف عن أهل المدينة، وكان الوقت قد حان لذلك، لأنه لو امتد الثأر بضعة أيام أخرى بالعنف نفسه لما كان السلطان العثمانى استولى فى ذلك البلد على غير مدفن عظام كبير .



“تذكر الأهرام ! كم من رجال ماتوا فى سبيل بنائها، وكان فى وسعهم العيش سنين أطول يفلحون الأرض ويأكلون وينجبون الأولاد! وربما ماتوا بعدئذ بالطاعون ولم يتركوا أثرا، ولقد بنوا وفقا لرغبة فرعون نصبا سوف يخلد طيفه إلى الأبد ذكرى عملهم وآلامهم وأشرف تطلعاتهم، ولم يفعل طومان باى غير ذلك، ألا تساوى أربعة أيام من البسالة والكرامة والتحدى أكثر من أربعة قرون من الخضوع والاستسلام والدناءة؟ لقد قدم طومان باى للقاهرة وشعبها أجمل هدية ممكنة : نار مقدسة سوف تنير الليل الطويل الذى بدأ وتدفئه” .



ولم يكن لى من طموح سوى البقاء على قيد الحياة أنا وذوى لأحكى ذات يوم على ورق صقيل قصة سقوط القاهرة، وسقوط إمبراطوريتها، وسقوط آخر أبطالها .

وصدر قرارى، وإذ منيت النفس بالرحيل فى الأيام الثلاثة المقبلة فقد قمت بجولة أخيرة فى المدينة لتنظيم بعض الأمور، وإذ بى أسمع أن طومان باى قد أسر بسبب خيانة من زعيم قبيلة بدوية .



ونحو الظهر دوت صيحات مختلطة بأصوات الأذان للصلاة، ولُفظ اسم بالقرب منى، باب زويلة، وبالفعل فقد كان آلاف الأهالى، رجالا ونساء، شبانا وشيبا، يهرعون باتجاه ذلك الباب، وفعلت فعلهم، وكان جمع غفير لا ينفك يتزايد ويلفت النظر بصمته شبه التام، وفجأة انشق الجمع فاتحا الطريق لرتل عثمانى ضم نحو مائتى خيال وضعفهما من المشاه وأداروا ظهورهم للناس مشكلين ثلاث دوائر بعضها داخل بعض وفى الوسط رجل على حصان، ولم يكن من اليسير التعرف فى ذلك الطيف إلى طومان باى، فقد كان حاسر الرأس أشعث اللحية، ولم يكن عليه من الثياب سوى مزق من القماش الأحمر تسىء سترها عباءة بيضاء، ولم يكن فى قدميه غير لفافتين من جوخ أزرق .



ونزل السلطان عن حصانه بناء على طلب من ضابط عثمانى، وحُل وثاق يديه، غير أن اثنى عشر جنديا لم يلبثوا أن أحاطوا به شاهرى السيوف، مع أنه لم يكن يبدو عليه أنه يفكر فى الهرب، وحيا بيديه الطليقتين الذين هتفوا له بشجاعة، واتجهت جميع الأنظار، بما فيها نظره ناحية الباب الشهير الذى كان الجلاد يدلى من فوقه حبلا.

وبدت الدهشة على وجه طومان باى، بيد أن البسمة لم تفارق شفتيه، وأما نظراته فكانت وحدها التى فقدت اتقادها، وهتف بالناس قائلا: “اقرأوا لى سورة الفاتحة ثلاث مرات!”.



وتعالت آلاف الغمغمات وكأنها دوى يزداد زلزلة فى كل لحظة: “الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين..”

وكان لفظ “آمين” صرخة ممدودة حانقة ثائرة، ثم لا شىء، وران الصمت، وبدا العثمانيون أنفسهم مشدوهين، وكان طومان باى هو الذى حركهم بقوله : “أيها الجلاد، قم بعملك!”.



ولف الحبل حول عنق المحكوم عليه، وشد من الطرف الآخر، وارتفع السلطان مقدار قدم ثم سقط على الأرض، لقد انقطع الحبل وأعيد ربطه وشده الجلاد ومعاونوه من جديد، وكرة أخرى انقطع، ولم يعد التوتر ليحتمل، وبدا السلطان وحده مرحا، وكأنه يشعر بأنه أصبح فى مكان آخر، مكان يجزى فيه الإقدام جزاء يختلف اختلافا تاما عن هذا الجزاء، وأعاد الجلاد ربط الحبل للمرة الثالثة، ولم ينقطع، وتعالت صرخة ممزوجة بالدموع والنحيب والدعاء، فلقد قضى آخر أباطرة مصر، أبسل من حكم وادى النيل طـُراً، مشنوقاً على باب زويلة !



فارس الزمان.. السلطان الشهيد

تاريخ العظماء دائما قدوة وسيرة... وسيرة السلطان الشهيد “طومان باى” آخر سلاطين المماليك فى مصر “هى سيرة لشخصية عظيمة آن لنا أن نحيطها بالتقدير الذى تستحقه”...

مما حملنى على كتابة بعض من سيرة هذا الفارس الذى فرض بطولته.. على الرغم من قلة حيلته.. أن كتب التاريخ عندما تشير إلى غزو العثمانيين لمصر.. تلخص الوقائع الرهيبة كلها فى انتصارهم على طومان باى فى موقعة “الريدانية” ثم شنقه على باب زويله واستتباب الأمر للسلطان سليم خان.. وينتهى الأمر !!



ولكن.. ما بين موقعة “الريدانية” 29 من ذى الحجة 922 هـ / 22 يناير 1517 م ويوم تنفيذ الحكم بالإعدام شنقا على بطلنا فى 22 من ربيع الأول 923 هـ / 14 أبريل 1517 م نحو ثلاثة شهور.. حافلة بأروع صور البطولة النادرة.. والخيانة النادرة أيضا! هى بكل المقاييس صفحات مجيدة فى تاريخ بلادنا – جديرة – أن يعرفها المصريون وبكل تفاصيلها، وهى أيضا فترة فاصلة، بها ودعت مصر حياة زاخرة مزدهرة، لتدخل بعدها فى عصر مجهول و قاس، لم تفق منه إلا بعد ثلاثة قرون.. هذه الثلاثة أشهر، كم من أزمات مرت قبلها، وكم من عهود جاءت بعدها، لكنها تظل بأحداثها اللاهثة المريرة التى إجتاحت “عصر الدولة” بأكملها : غاضبة كبحر هادر، قاسية كعاصفة عاتية.. حددت مصير الدولة المماليك الجراكسة.. ومصير شعب !



كانت هزيمة الجيش المملوكى عقب مقاومة رائعة نادرة، حتى من قبل موقعة “الريدانية”.. فقد حارب السلطان الغورى وجيشه فى موقعة “مرج دابق” بشجاعة وبسالة حتى كان لهم النصر فى بداية المعركة، ثم حدثت الخيانة الفاجرة التى كسرت الجيش وأتاحت للعثمانلى معاودة القتال حتى تم لهم النصر.. لقد حارب الغورى ومن بقى معه، حتى إن خيولهم كانت تخوض فى بطون القتلى، وقد أمر السلطان سليم بإحصاء القتلى من الجانبين، فكان أمام كل شهيد مصرى : أربعة قتلى من العثمانلى.. وتحدث الأمراء العثمانيون عن الشجاعة النادرة لجند مصر، أمام جحافل مدججة بأحدث الأسلحة فى ذلك العصر – المدافع والبنادق – والتى أحدثت ثورة فى الخطط الحربية آنذاك، وحمل نماذج منها “أبو حمدون الأندلسى” وقدم بها من المغرب وعرضها على السلطان الغورى، وقد أدرك أبو حمدون خطورة هذا السلاح الجديد، بينما لا يملك العرب سوى السيف والفروسية، لكن السلطان اعتبر هذه البندقية “بدعة من الكفار.. ولن نترك سنة لأسلافنا”!



وتحمل طومان باى المسئولية الجسيمة، وحارب فى “الريدانية” فى بضعة آلاف من الفرسان سلاحهم السيوف والخيول، مائتى آلف من العثمانلى مزودين بالبنادق و 600 مدفع (ضربرزانات).. حارب طومان باى ومن معه، حربا كلها إصرار على النصر أو الموت.. حربا تشرفهم على مدى الدهر.. وقتل طومان باى بنفسه عددا من قواد السلطان سليم، واقتحم سنجق (مخيم) سليم وأمسك بأعظم قواده سنان باشا ( الوزير الأعظم وصاحب المسجد الشهير ببولاق أبو العلا) وجذبه من فوق فرسه وأوقعه أرضا وقتله، وظن طومان أنه قتل سليم نفسه!.



ويشهد التاريخ أن طومان باى والأمراء والفرسان ـ على الرغم من الخيانة ـ وتفوق العدو تسليحا وعددا، قد قتلوا من العثمانيين – فى عدة مواقع شرسة – الآلاف وكبدوهم خسائر فادحة، جعلت سليم خان يفكر أكثر من مرة بالرحيل من مصر وينجو بحياته وحياة حيشه ويعود إلى بلاده.. غير أن الخونة (جان بردى الغزالى و خاير بك ) خوفا على حياتهم ومناصبهم وطموحاتهم، كان يزينون لسليم (سفاك الدماء الذى لم يتورع عن قتل أبيه وإخوته فى سبيل العرش!) الثبات والبقاء..


حارب طومان باى فى كل مكان.. داخل القاهرة وخارجها.. فى الجيزة وأطفيح ودهشور وفى الفيوم.. ودافع أولاد البلد عن القاهرة بكل ما يملكون، حتى أوشك سليم إزاء هذه المقاومة النادرة أن يغلبه اليأس ويعود من حيث أتى، ووجه إلى خاير بك (أطلق عليه الشعب: خاين بك!) لوما عنيفا على تحريضه إياه لغزو مصر، وهو الذى أطمعه فى سهولة النصر على جيشها! وحاول سليم بالفعل الاتصال بطومان للتفاوض حول الانسحاب!



لقد أجمع المؤرخون على أن طومان باى كان “نادرة زمانه” فى العقل والتدبير والصلاح، وفارس يتحلى بكريم الأخلاق – حتى مع من خانوه ! – وإذا كان الحظ قد عانده، والمقادير كانت ضده.. حتى كانت نهايته فى مشهد درامى! فإنه لم يحاول أبدا أن يهرب من قدره، وظل الفارس النبيل.. باذلا غاية الجهد دون تقصير وهو يدافع عن بلاده إلى النهاية.. كان حتما أن يسير إلى قدره، وعلى حد تعبيره : “كان لا بد أن أسير إلى النهاية، فى سبيل من حملونى المسئولية وقبلتها منهم”.

إن سيرة هذا السلطان الشهيد : صفحة رائعة.. ومريرة.. حافلة بالتفاصيل الكثيرة المثيرة، كما حفلت بالبطولة النادرة.. والخيانة النادرة أيضا.

“مصر”.. أغلى درة تزين عمامة سليم !

أمضى السلطان سليم فى مصر نحو ثمانية أشهر.. بعد أن أصبحت أغلى درة تزين عمامته!!



وقام سليم بزيارة المنطقة الأثرية بالجيزة.. ودخل حمام المؤيد وأبدى إعجابه الشديد به.. صلى الجمعة بالجامع الأزهر – أكبر جامعة إسلامية – وشاهد الاحتفال بـ”جبر الخليج” يوم وفاء النيل، كما شاهد الاحتفال بـ”طلعة المحمل الشريف”.. وانبهر بـ”خيال الظل” حتى إنه خلع على “المخايل” قفطانا مخملا مذهبا !



وأمضى ثلاثة أيام بالإسكندرية التى وصفها بأنها “مدينة لا نظير لها”! وكان العثمانيون قوما بلا حضارة.. فبهرتهم مصر بمظاهر حضارتها..



وقد أصر سليم وأمراؤه على أن تكون هذه المظاهر الحضارية لهم وحدهم، وحرمان مصر وشعبها منها! لم يكفهم ما غنموه فى “مرج دابق” من الخيول المطهمة بسروجها المذهبة.. وخزائن الأموال.. وخزائن الذهب.. وحواصل الذخيرة.. وآلات السلاح الفاخرة التى كانت لملوك مصر السابقين.. وما نهبوه فى “الريدانية”.. من “قماش وخيام وسلاح وخيول ومكاحل وجمال وأبقار، وشون الغلال”.. ثم “كبس” قصور الأمراء والأعيان وبيوت الناس.. ونهب كل ما يلوح لهم !



كتب “إميل لودفيج” المؤرخ العظيم :” إن أكثر ما اكترث له أولئك الغزاة، هو أن ينالوا منها أقصى ما يمكن نيله من أموال وذهب، ولم يأت خلفاء السلطان سليم إلى مصر لزيارتها.. ولم يترك هؤلاء الأتراك أى تراث ثقافى، حتى إن نفوذ الخلافة الذى نزعه سليم من صاحبه الشرعى الأخير لم يكن من القوة ما يجمع به البلاد المفتوحة به حول مثل عال مبدع لحضارة”!



مارس العثمانلى “سياسة النهب العام” لكل ما يحمل قيمة فى مصر، فبدأوا بقلعة الجبل، حيث نهبوا ما جمع فيها من تحف السلاطين على مدى ثلاثة قرون، ونهبوا حواصل “الشرابخاناه”.. و”الركبخاناه”.. و”الطبلخاناه”.. و”الزردخاناه”.. أفخر أدوات الطعام والشراب المطعمة بالذهب والجواهر، وآلات السلاح والموسيقى وخزائن المال والكتب.. حتى السجاد النادر والأعمدة ورخام ا



لم يكتف سليم بذلك، وإنما سعى أيضا إلى القضاء على مقومات مصر الحضارية، فأراد أن يحرمها من صناع الحضارة فى كل فن، على أمل أن تكون دولته وحدها رائدة للحضارة الإسلامية !



فحمل معه إلى “إستانبول” الآلاف من الفنانين والمهندسين والبنائين والنجارين والحدادين والنساجين وصناع السلاح.. “مما لا يمكن حصر أعدادهم” على حد تعبير “ابن إياس”.. وغيرهم من أرباب الحرف والصناعات.. وجملة من فنانى خان الخليلى.. ومن كتاب الدواوين ورجال الإدارة والقضاء، ومن معلمى المدارس الحربية.. والفلاحين.. حتى عمال معامل تفريخ الدجاج والبيض! وكانت تكتب أسماء المرحلين فى قوائم، ويتم حشدهم فى المراكب إلى إستانبول، وكم كابدوا من صنوف التعذيب والإذلال.. ومقر إقامتهم فى السجون والأبراج! هؤلاء المصريون هم الذين شيدوا روائع العمارة الإسلامية التى تفخر بها تركيا اليوم! كما نشروا بها فنون الحرف والصناعات، مما كان له أروع الأثر فى النقلة الحضارية للدولة العثمانية !



وكأنه “قدر” مصر.. بلدنا الموعودة دائما بـ”الحرامية الخواجات”! لصوص الحضارة وبلطجية التاريخ!



كلمة للتاريخ

تلك كانت حكاية الملك الأشرف أبو النصر “طومان باى” آخر سلاطين المماليك الجراكسة فى مصر، ومن أعظمهم سيرة على الرغم من أنه لم يحكم سوى ثلاثة أشهر وخمسة أيام، فإنها كانت فترة عصيبة ومريرة فى تاريخ مصر، أنذرت بنهاية دولة من أعظم الدول فى التاريخ، لتدخل مصر بعدها فى سرداب مظلم ثلاثمائة سنة!



وما كان لطومان باى أن يلقى هذه النهاية الدرامية، إلا أن سوء الحظ قد يصيب غالبا الرجال الذين يتحلون بالمبادئ وسمو النفس، وكأنها سخرية من الأقدار أو اختبار منها! ومع ذلك فلم يحاول أن يهرب من قدره، باذلا غاية الجهد وأروع مثال للشجاعة فى سبيل مصر ودفاعا عن شرفها.. وكان لا بد أن يسير فى الطريق الذى اختاره لنفسه حتى النهاية !



ولقد امتد الإعجاب بشخصية طومان باى وبطولته إلى الأوروبيين، فقصة مقاومته للاحتلال العثمانى ثم إعدامه تناولها عدد من الرحالة الإيطاليين والفرنسيين، فى إطار تجاوز التعاطف والتأثر إلى الإعجاب الخالص.. حتى إن الرحالة الإيطالى “باولو جيوفيو – P.Jiovio “ وضع طومان باى فى مؤلفه : Le Histoires بين الشخصيات التاريخية الكبرى فى العالم – فى ذلك العصر – كما نلمس فى كتابات الفرنسى “أندريه تيفيه – A.Thevet” رحلات فى مصر – Voyages en Egypte 1549/1552 إعجابا رائعا بطومان باى، حتى وصفه بأنه “لا يقل مكانة عن صلاح الدين”!