Saturday, November 12, 2016

نادر جدا من ذاكرة التاريخ : «فتحية» و«رياض» قصة زواج هز عرش مصر


«إنني أخاطبك اليوم بلغة الابن لا بلغة الملك.. إنني رجلك الوحيد الذي شعر بمدى الخطأ الذي ارتكبتِه في حق نفسك وفي حق عرشك ووطنك ودينك، لقد أصبتِني بجرح لن يُضمِّده أحد سواك.. لقد كسرني تصرفك وأشعَرني بالعجز عن رفع عيني في وجه خادم في حاشيتي.. لا شيء أصعب من ضربة أخلاقية توجهها أم لابنها.. إنها ضربة قاضية تُجهز عليه..»


كان هذا نص رسالة بعثها الملك فاروق إلى والدته الملكة «نازلي» عام 1950، يحاول فيها إثنائها عن الموافقة على زواج شقيقته الأميرة «فتحية» من رياض غالي الموظف المسيحي، لكن مثل هذه الكلمات من ابن لأمه لم تجد صداها عند والدته التي كانت تراه «عاقا».


تلقى «فاروق» خبر اعتزام الزواج بصدمة كبيرة كالصاعقة، وأشتعل غضبه على والدته الملكة نازلي التي كانت مقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية مع شقيقيته الأميرة فتحية والأميرة فائقة، وهناك وافقت على تزويج «فتحية» من رياض غالي «المسيحي».


كان الخبر كفيلا بالتهييج والتحريض والغضب على أكثر من وجه، فمن يكرهون الملك استخدموا القصة ضده، ومن يحبونه زادوا من أسنتهم ضد أمه الملكة، وبين هؤلاء ذهبت الصحف مذهبها في التناول طبقا لمواقفها السياسية المسبقة، وبعضها تناول الأمر من زاوية طائفية على اعتبار أن الزوج مسيحي والزوجة مسلمة، وفى السياق أيضا أخذت القضية أبعادا تتعلق بطبيعة الحسب والنسب لكليهما، فالأميرة هي من أصحاب الدم الأزرق، و«العريس» ليس كذلك، فلا يجوز الاختلاط بينهما، التهييج والتحريض والغضب شمل إلى جانب الصحف، المؤسسات الرسمية والشعبية من برلمان وأحزاب وأزهر وكنيسة وغيرها.

واليوم سوف أكشف صفحات نادرة ومعلومات هامة عن هذا الزواج الذي هز عرش مصر.


الأميرة فتحية أو كما يتم تدليلها «آتي» ولدت في 17 ديسمبر 1930، وهي الابنة الصغرى للملك فؤاد الأول والملكة نازلي صبري، وأخت الملك فاروق الأول، وكانت مدللة وقريبة من الملك فؤاد الأول.


ليس هناك معلومات محددة عن فترة طفولة الأميرة فتحية، إلا أنها كانت بطلة لأهم حدث في حياة الملك فاروق، وهو الحدث الذي ربما كان له دور كبير جدا في هز وزلزلة عرشه، بالاضافة إلى النهاية المأساوية لحياتها هي شخصيا.


في أواخر يونيو من العام 1946، قررت الملكة نازلي السفر إلى أوربا، بحجة العلاج والراحة النفسية، حيث كانت تعانى من حالة حزن واكتئاب شديد نتيجة لوفاة زوجها في السر رئيس الديوان الملكي، أحمد حسين، إثر حادث سيارة بالإضافة إلى شعورها بآلام بالكلى، مصطحبة معها ابنتيها الأميرة نافقة والأميرة فتحية على ظهر باخرة ملكية أبحرت في اتجاه موانئ مارسيليا، المحطة الأولى لها.


كانت شواطئ مارسيليا أجمل موانيء فرنسا، وكانت الأميرة فتحية تغرق في الضحك، يملؤها الفرح والسرور لتلك الرحلة ورؤية ما لم تره من قبل، فسرعان ما وصل الخبر إلى قنصلية مصر في مارسيليا، التي قررت انتداب أمين المحفوظات، وهي مهنة بسيطة في القنصلية، رياض غالي، ليساعد الملكة والأميرات على تسهيل سفرهن إلى سويسرا وإقامتهن تلك الليلة في أحد فنادق مارسيليا والحرص على توفير الراحة الكاملة لهن أثناء إقامتهن.


خرج «غالي» فرحا بهذا التكليف وذهب مسرعا في اتجاه ميناء مارسيليا، في انتظار الملكة والأميرتين اللواتي كن في انتظاره واندهشن من سرعة وصوله إلى هناك في ذلك الصباح الباكر، قبل أن تسأله الملكة نازلي بالفرنسية قائلة: «هل أنت مصري؟» ليجيب «غالي»، في انحناء تام: «نعم يا سيدتي، أنا مصري»، اندهشت الملكة «نازلي» من كلامه وقالت مستغربة: «كنت أظنك من أمريكا الجنوبية؟».. فابتسم «غالي» وسار إلى جوار الملكة قائلا: «لقد جئت بالشمس معك إلى فرنسا يا سيدتي!»، ضحكت الملكة وقالت: «ألم تكن لديكم شمس؟» فأجابها: «لقد مضت بضعة أيام دون أن نرى الشمس، وها هي تشرق مع إشراق جلالتك..».


أعجبت «نازلي» بكلام «غالي» المشوق، رغم أن ذلك الكلام لم يظهر شخصيته الهزيلة ورغم تأكدها أن ذلك لم يعد سوى مجاملة لها، باعتبارها ملكة ووالدة الملك فاروق، لكن الملكة عمدت إلى التأكد من شكوكها حول صحة هذا الكلام، فسألت مندوب إدارة البروتوكول الفرنسي قائله له: «هل ما يقوله هذا الشخص صحيح أم إنه مجاملة؟».. فأجابها المندوب الفرنسي: «لا يا سيدتي، إنه صحيح».


كان «غالي»، حينها، يمشي إلى جانب الملكة والأميرات، في انتظار أي أمر آخر يأتي من الملكة، وينتظر تلك الأوامر بلباقة شديدة، قبل أن ينطلق لإحضار حقائبها، بعد طلب الملكة ذلك والإسراع بإدخالها إلى الجناح الملكي في الفندق الذي ستقيم فيه تلك الليلة، قبل التوجه إلى سويسرا.


بعد أن أدخل رياض الحقائب الملكية البالغة 36 حقيبة، شكرته الملكة وقالت له: «لقد أتعبتك اليوم».. فأجابها: «لا يا سيدتي، هذا شرف عظيم لي، لقد كنت أتمنى لو أنني حملت كل تلك الحقائب على ظهري.. إن اليوم هو أسعد يوم في حياتي، لأنني ركبت السيارة مع حقائب الملكة، أنا عشت عمري كله أحلم بأن يأتى اليوم الذي يسعده زماني فيه بتقبيل قدميك قبل يديك وأنا لا أريد شيئا آخر في الحياة»، وكان ينحني بين يدي «نازلي» كرقم 8، حسب شهادة الكاتب الصحفي الراحل مصطفى أمين.


كانت الملكة نازلي تنظر إلى «غالي»، ولم تكن قد عرفت اسمه بعد، تملؤها الدهشة والحيرة من كلام هذا الشخص البسيط الذي، ربما، لم تسمع مثله من قبل، وكانت علامات الفرح والسرور والبهجة ترتسم على وجهها، وحينها سألته قائلة: «ما اسمك؟»، ورد بطريقة أدهشتها: «خادمك رياض يا سيدتي»، فالتفتت إلى «فتحية» وقالت لها بالفرنسية: «كم هو مؤدب».


بعد ذلك، قال «غالي» إلى «نازلي»: «إن الأوامر تقضي بأن أعود إلى عملي في مارسيليا»، ففوجئ بالملكة وهي تقول له: «لقد حسمت الأمر.. أنا أصدرت الأوامر بأن تبقى، وعليك مرافقتنا إلى سويسرا في الصباح الباكر من يوم غد..».


أبدى «غالي» موافقته على ذلك، رغم تخوفه من عواقب فعلته وعدم الامتثال لأوامر رؤسائه، لكنه في الوقت نفسه كان محاطا بالملكة التي تملك القرارات، فبدأ حينها يستخدم مواهبه لنيل إعجاب الملكة، فأخذ يتغزل بها وبشبابها ورفع معنوياتها، بعد أن فقدت زوجها الثاني، أحمد حسنين باشا، رئيس الديوان الملكي.


لم يهتم «غالي» بقرار عزله من قبل «فاروق» ودعواته المتكررة له بالعودة إلى مصر، خاصة بعد تأكيد «نازلي» لـ«فاروق» أنها تريده ضمن حاشيتها وبراتب شهري قدره 100 جنيه. ووجهت نازلي رسالة إلى ابنها الملك قالت فيها: «إنني أرغب في أن يكون رياض ضمن حاشيتي، فرياض غالي لن يموت من الجوع، فأنا سأدفع له أضعاف مرتبه ..».


في هذا الوقت كانت الأميرة فتحية شابة صغيرة لم تتجاوز الـ16 من عمرها، عاشت في مناخ من العزلة الملكية، وفجأة أصبحت بعيدة عن الرقابة ووجها لوجه لأول مرة أمام شاب عرف كيف يجعلها تحبه، فكانت أول تجربة حب في حياتها وكانت «فتحية» جياشة العواطف فأحبته.


كان «غالي» يتولى أمورهن في كل شيء حتى عندما فقدت «فتحية» مشبكا من الألماس كان يضم « بروش»، و36 ألماسة، و25 قطعة في أحد المسارح في مانهاتن أثناء عرض «برودواي»، عثر «غالي» على السيدة التي وجدته ومنحتها «فتحية» مكافأة قدرها 100 دولار، ونشر هذا الخبر في مجلة «تايم»، الأمريكية، في 2 يوليو 1947، فرأت فيه «فتحية» فارسا من فرسان القصص والروايات الغرامية، بدأ «غالي» يسهر مع «فتحية» في الملاهي بموافقة «نازلي» التي بهرها بحلو حديثه ومعرفته بخبايا المرأة وهى في خريف العمر.


اختارت «نازلي» أن تسكن في ولاية لوس أنجلوس الأمريكية وعلى مقربة من هوليوود حيث تعرفت على كثيرين من نجومها وأصبحوا زوارا لبيتها إلى أن عرف «فاروق» أن والدته صادقت رجل بترول أمريكي يدعى ريتشارد باول، أقنعها أن تبيع مجوهراتها وتستثمر أموالها في حقل بترول كبير، وبالفعل باعت الملكة المجوهرات بما قيمته 3 ملايين دولار، ودفع لها «باول» بعض المبالغ على أنها أرباح لكن سرعان ما نفد الحقل قبل الأوان.


زادت طلبات «نازلي» من مصر واتهمت الخاصة الملكية أنها تسرق من إيراد أرضها وتستولي على دخلها واتهمت «فاروق» بأخذ حقها وهددته برفع قضايا ضده، وفي الوقت نفسه، وصلت التقارير للملك من بعض أصدقائه في الولايات المتحدة أن «غالي» كان على علاقة مع «نازلي» نفسها.


طار عقل «فاروق» عندما علم بنية والدته تزويج أخته من «غالي»، فأرسل إلى أمه رسالة يحذرها من إتمام مشروعها الخاص بتزويج شقيقته ويطلب منها العودة إلى مصر، وحاول مرارا وبجدية استرجاع وإجبار والدته على العودة إلى مصر، لكنها رفضت بشكل قاطع.


في ذلك الوقت، كان «غالي» لا يفارق الملكة ولا تكاد عيناه تفارق «فتحية»، فتقدم لخطبتها من «نازلي»، بعد تأكده من موافقتها وعدم رفضها الزواج من ابنتها ، رغم اعتراض الملك فاروق على ذلك.


أرسل «فاروق» رسالة إلى والدته يقول فيها: «إنني أخاطبك اليوم بلغة الابن لا بلغة الملك.. إنني رجلك الوحيد الذي شعر بمدى الخطأ الذي ارتكبتِه في حق نفسك وفي حق عرشك ووطنك ودينك، لقد أصبتِني بجرح لن يُضمِّده أحد سواك.. لقد كسرني تصرفك وأشعَرني بالعجز عن رفع عيني في وجه خادم في حاشيتي.. لا شيء أصعب من ضربة أخلاقية توجهها أم لابنها.. إنها ضربة قاضية تُجهز عليه..»، لكن الأم لم تعبأ بهذ الرسالة وأصرت على موقفها.


في ذلك الوقت، سيطر «غالي» على البيت، وخاصة «نازلي» إلى درجة أنها قالت في رسالة بعثت بها إلى «فاروق»: «لو أردت أن اختار بين أمومتك وبين صداقتي لرياض غالي لاخترت رياض، لأنك أثبتَّ لي في كل مناسبة أنك ولد عاق، أما رياض فقد أثبت لي أنه ولد مخلص».


زاد ارتباط «فتحية» بـ«غالي»، وسرعان ما نقل السفير المصري في الولايات المتحدة إلى «فاروق» أنه رأى «فتحية» في مشهد غرامي مع «غالي» في ملهى ليلي.


فاشتد غضب «فاروق»، وفشل السفير في إثناء «غالي» عن إتمام الزواج، وطلب «فاروق» من مصطفى النحاس إقناع «نازلي» بالعدول عن زواج «فتحية» من «غالي» فكان ردها على «النحاس» بــ «أظن أن موضوع زواج ابنتي ليس من اختصاص رئيس الوزراء».


هددت «نازلي» بنشر الفضائح على صفحات الصحف الأمريكية، واتهمت ابنها فاروق والشعب المصري بالرجعية وعدم التحضر والتخلف، مؤكدة أنها اختارت لابنتها «جنتلمان» وليس «دون جوان».


وفي صباح 25 مايو 1950، بدأ موظفو «فندق فيرمونت» كما يروى الكاتب صلاح عيسى في كتابه «البرنسيسة والأفندي»، في تزيين قاعات الفندق بالزهور والورق الملون والأضواء.


وقبل أن تحل الساعة الخامسة بقليل كانت جميع القاعات قد إزدحمت بالمدعوين من كبار الشخصيات الأمريكية الذين حضروا من نيويورك إلى سان فرانسيسكو على بعد 3 آلاف ميل.


في الخامسة ظهر «غالي» على قمة السلم يرتدى بدلة ويبتسم في سعادة وبعد دقائق عزفت الموسيقى إشارة إلى نزول «فتحية ونازلي».


كانت العروس ترتدي ثوب عرس أنيق استحضر خصيصا من باريس وصنعه بيت «ديسييه» للأزياء، أما الوالدة فكانت ترتدي ثوبا للسهرة من الحرير أزرق اللون مفتوحا من الأمام حتى الصدر ينتهي بمشبكين كبيرين من الألماس وقد زينت صدرها وأذنيها ويديها بطاقم ألماس.


أسرع «غالي» يستقبلهما واتجه ثلاثتهم إلى المائدة التي أعدت لعقد القران، وأعلن «غالي» أمام المأذون الباكستاني أنه مسلم وتلا الشهادتين وبعد إنهاء مراسم العقد قدم لزوجته هديتين ثمينتين إحداهما خاتم الزواج وهو مصنوع من البلاتين ومرصع بـ3 قطع من الألماس، نقشت عليه كلمة «أحبك».


أما الهدية الثانية فكانت مشبكا متوسط الحجم من البلاتين المرصع بالألماس وقضى العروسان بعد ذلك شهر العسل في جزر هاواي.


استغل بعض المتآمرين قصة زواج «فتحية» المسلمة من «غالي» المسيحي، ليثيروا فتنة بين المسلمين والمسيحيين، وبدأت أنباء هذه الفتنة تتسلل إلى صفحات الجرائد في سطور سريعة، ووقعت حوادث متفرقة في مناطق مختلفة وتعرض رجال الدين المسيحي لبعض الهجمات، وتفاقمت هذه الأحداث إلى أن اضطرت الحكومة إعلان حالة الطوارئ في مايو 1950، وسرت شائعات في أنحاء البلاد بوقوع حوادث طائفية وأن عددا من الكنائس أحرقت في صعيد مصر، وفي مركز فرشوط بالصعيد التزم المسحيون بيوتهم وبعثوا ببرقية يستنجدون بوزير الداخلية، فؤاد باشا سراج الدين.


وأمام فشل مساعي «فاروق» لإسترداد شقيقته ووالدته، وأمام زواج أخته بدون موافقته، دعا «فاروق» إلى عقد مجلس البلاط الملكي في 12 مايو 1951، ليطلب من أعضاء المجلس الحجز على «نازلي» وشقيقته «فتحية» وتجريدهما من مخصصاتهما وألقابهما الأميرية.


بعد تنازل «فاروق» عن العرش يهددها لم تعد هناك مشكلة في استمرار إقامة «فتحية» في الولايات المتحدة، بعد أن رزق الزوجان بأول ابنائهما «رائد» عام 1952، والثاني «رفيق» عام 1954، ثم «رانيا» عام 1956، إذ يمنح القانون الأمريكي الجنسية للأبوين اللذين يولد ابنهما على الأرض الأمريكية وحق الإقامة الدائمة.


بدأ اسم «غالي» يتردد باعتباره مستشارا اقتصاديا لشئون الشرق الأوسط يقدم خدماته لبعض الشركات الأمريكية الكبرى.


في عام 1956 حصل رياض غالى على توكيل عام من «نازلي وفتحية» للتصرف باسميهما في كل ما يتصل بشئونهما المالية، وكانت هذه بداية المأساة بعدما سلمته الأميرة والملكة كل شيء، فاندفع ليثبت لنفسه والجميع انه ليس مجرد الشاب الجميل الذي كان يعمل في خدمة الملكة الأم.


وبحلول عام 1958، أعلنت «نازلي» إعتناقها المسيحية، وبررت ذلك أنها نجت من الموت إثر العمليات الجراحية المتكررة التي أجريت لها في أحد المستشفيات الكاثوليكية وأنها قد نذرت قبل الجراحة أن تعتنق الكاثوليكية إذا مد الله في عمرها وأن تعود إلى دين ومذهب جدها الكولونيل، إنتلم أوكتاف سيف، الذي أسلم وتسمى باسم، سليمان باشا الفرنساوي، وارتد «غالي» عن الإسلام وعن مذهبه الأرثوذكسى ليعتنق الكاثوليكية التي إعتنقتها كذلك «فتحية».


ضارب «غالي» في البورصات الأمريكية، فأصبح يشرب كل ليلة، ووصل الأمر لإدمانه الهيروين، وبدأ يرهن ممتلكات الملكة والأميرة ويقترض بضمانها الآلاف من الدولارات لإنقاذ استثماراته الخاسرة ولسد نفقات الحياة الأرستقراطية ولم يقر بعدم صلاحيته لكي يكون مستثمرا.


بعد مرور 7 سنوات على التوكيل تنبهتا الملكة والأميرة إلى ما يجرى بعد ما حدث للأميرة فائقة من زوجها محمد على رءوف الذي أعطته توكيلا للتصرف في أموالها فبددها وطلقت نفسها منه وعادت إلى والدتها في «بيفرلى هيلز».


تغيرت طباع «غالي» وانقلب الشاب الدمث الوديع إلى رجل شرس، وطرد الملكة الوالدة والأميرتين وأبناءه الـ3 من بيتهم المرهون في «بيفرلى هيلز» وأقام به وحده عاجزا حتى عن استئجار خادم يعد له طعامه، وانتقلت الملكة والأميرتان والأولاد للإقامة بمنزل الأسرة في جزيرة هاواي وكان مرهونا هو الآخر.


تنقلن الملكة والأميرتين بين بيوت المحسنين الذين حاولوا مساعدتهن، ولجأت «نازلي» إلى أسرة يهودية مصرية من معروفة هاجرت إلى الولايات المتحدة بعد الثورة، واستضافتها لمدة عام.


أقامت «فتحية» وأولادها الـ3 ما يقرب من عام عند عايدة تكلا، مصرية كانت تقيم في المدينة ذاتها منذ سنوات طويلة، ووجدت «فائزة» من يحسن على غربتها من الأصدقاء.


كان اعتداء «غالي» بالصفعات الطائشة على وجه «فتحية» جعلها تحسم أمرها معه، وتقدمت في فبراير 1965 إلى المحكمة لتطلب الانفصال الجسدي عنه تمهيدا لطلب الطلاق، وقالت في تبرير طلبها إن زوجها يقسو عليها بدنيا وعقليا وطلبت تقرير نفقة شهرية لها ولأولادها قدرها 2140 دولارا، وبالفعل تطلقا بعد 20 سنة زواج.


حاولت «فتحية» بعد ذلك أن تدبر مأوى يضم أسرتها المشردة في بيوت المحسنين ولم تتردد في الالتحاق بأي عمل حيث عملت في منازل أصدقائها وعملت في تنظيف بعض المحلات التجارية في المساء.


بعد عام من العمل الشاق استطاعت أن تستأجر شقة متواضعة في حي شعبي بمدينة لوس انجلوس انتقلت للإقامة بها هي وأبناؤها وشقيقتها وأمها، وما لبثت الأوضاع أن تتحسن حتى ظهرت الأميرة «أشرف بهلوى» شقيقة شاه إيران الأسبق رضا بهلوي لتمد يد العون إلى «نازلي».





 

بعد سنوات طويلة من معاناة وكفاح «فتحية» تخرج «رفيق» في جامعة كاليفورنيا بعد دراسة الأدب الإنجليزي، وكان يعمل أثناء الدراسة في محل للبقالة، بينما كان الابن الثاني «رائد» على وشك الانتهاء من دراسته للعلوم وكان يعمل في محل تجاري، أما «رانيا» فالتحاقها بالجامعة لم يمنعها من مواصلة العمل في المساء كممرضة في أحد المستشفيات.


بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر بدأت فكرة العودة إلى مصر تراود «فتحية ونازلي»، لكن اعتناقهما للدِيانة المسيحية، كان يعتبر من أهم العوائق لعودتهما، لكن بعد تدخل من الدكتور لويس عوض لاح في الأفق حل للمشكلة.


في الساعة التاسعة من صباح 9 ديسمبر 1976، كانت «فتحية» تستعد للخروج من الفيلا رقم 244 بشارع 16 بضاحية «سانتا مونيكا»، لتستكمل إجراءات رحلتها إلى قبرص أولا، لتعزى أسرة «غالي» في وفاة حماتها، ثم إلى القاهرة لتزور شقيقتيها «فوزية وفائقة» وتدرس إمكانية عودتها هي وأمها للإقامة الدائمة بها، ثم إلى طهران لتزور الأميرة أشرف بهلوي، شقيقة شاه إيران، وتشكرها على مساندتها لأسرتها قبل أن تعود مرة أخرى إلى لوس انجلوس.



وقبل أن تغادر اتصل بها «غالي» يطلب منها زيارته لكي تساعده في جمع ملابس ومقتنيات والدته في حقائب لتكون جاهزة للشحن معها إلى قبرص لتسلمها إلى أسرة الأم الراحلة، وأبدت «فتحية» دهشتها وحاولت تأجيل المهمة إلى يوم آخر، لكنه ألح عليها بشكل جعلها تعده بأن تمر عليه.




بعد أقل من ساعة كانت سيارة «فتحية» تقف أمام المنزل رقم 1282 بشارع «باري»، وبعد 3 ساعات سمع مدير المبنى طلقات مكتومة ظن أنه مسلسل تليفزيوني، وقبل الساعة الـ12 بدقائق نزل «غالي» إلى مدير المبنى وسلمه شيكا بـ150 دولارا قيمة إيجار الشقة التي يسكنها.


عندما جاءت الساعة الـ6 مساء اقترب موعد الحفل الذي كان مقررا أن تصاحب الأميرة أمها إليه دون أن تعود وطلبت «نازلي» من حفيدتها «رانيا» أن تتصل بها في شقة الأب لكنه لم يرد وخشيت «نازلي» أن تكون ابنتها تعرضت لحادث في طريق عودتها، فكلفت الابن الأكبر «رفيق» بالبحث عن والدته.





إصطحب «رفيق» شقيقته «رانيا» في سيارته وعندما دخلا إلى منزل أبيهما وجدا سيارة الأم تقف أمامه وفضلا ألا يقطعا عليهما خلوتهما وعادا مرة أخرى إلأى سانتا مونيكا، وعادت «رانيا» مرة أخرى في الساعة الـ11 قبل منتصف الليل وفتح الباب واستقبلها في غرفة المعيشة التي كان يشاهد فيها التليفزيون وعندما سألته عن أمها قال لها إنها تركته لأنها على موعد مع أصدقائها في الوقت الذي كانت هي بغرفة النوم مدرجة في دمائها.

في اليوم التالي، بدأت الملكة والأولاد يسألون أصدقاءها ولكن لم يعرف أحد عنها شيئا.


عاد الابن في صباح اليوم التالي 11 ديسمبر 1976 إلى شارع «باري» ووجد سيارة والده موجودة، لكنه لا يفتح الباب على الرغم من أن صوت التليفزيون كان مسموعا من داخل الشقة فحطم ابنه الشراعة الزجاجية لغرفة المعيشة ليجد والده ملقى على الأريكة والدماء تنزف من رأسه بغزارة شديدة وعندما فتح باب غرفة النوم وجد جثة أمه في وضع القرفصاء، واختفى وجهها تحت كتل من الدماء ممتدة إلى السجادة السميكة وتهتك نصف وجهها الأيسر تماما واختفى من تأثير الإصابة بطلقات مسدس «غالي» الذي أطلق عليها 5 رصاصات، 4 في الوجه والخامسة في الرأس لتفارق الأميرة الحياة على الفور.




كان «غالي» لا يزال في غيبوبة بعد أن أطلق على نفسه الرصاصة السادسة، وعندما وصل الخبر إلى والدتها سقطت الملكة مغشيا عليها واحتشد الأطباء حولها يحقنونها بالمسكنات كلما أفاقت خشية أن تصحو لتموت.