Saturday, November 12, 2016

قصة شاب مصري أرعب الإنجليز وطلبت المخابرات البريطانية القبض عليه حيًا أو ميتًا


أطلق عليه زملاؤه في الجامعة، لقب «ابن اللنبي»ـ في إشارة إلى اللورد الإنجليزي الشهيرـ لأنه كان يرفض الاشتراك في مظاهرات زملائه ضد الإنجليز، وسخريةً من حبه للإنجليز، ليكتشف أهله وأصدقاؤه بعد إلقاء الشرطة القبض على تنظيم فدائي سري يقوده، أحمد ماهر والنقراشي، أنه أحد أعضاء هذا التنظيم.

عرَّف مؤرخو الثورة، «كيرة»، بأنه يجيد التنكر والتخفي والتحدث بلغات مختلفة، يومًا تجده نجارًا، ويومًا آخر شيخًا معممًا، وتارة جنديا بريطانيا ومرة أخرى فلاحا بسيطا، وكان قادراً على تصنيع القنابل، خبيراً فى أنواع المُسدسات، وعلى دراية باستخدامها، وقد داهم الإنجليز مخابئ أعضاء التنظيمات السرية واحداً تلو الآخر لكن «كيرة» أفلت بأعجوبة.

وفى عام 1924 اغتال أحد التنظيمات السرية «سردار» الجيش البريطانى فى السودان السير لى ستاك خلال زيارته للقاهرة، وسقط التنظيم فى يد الإنجليز بعد وشايات من أحد الخونة وهو نجيب الهلباوي، وأدلى شفيق منصور، زعيم التنظيم، باعترافات تفصيلية بالتنظيمات السرية وعرف الإنجليز اسم أحمد عبدالحي كيرة، وأخبره زملاؤه باكتشاف أمره وضرورة هروبه.


ويحكي الكاتب، صبرى أبوالمجد، في كتاب له حول أبطال الجهاز السرى لثورة 1919، كما ذكر الكاتب، بلال فضل، في أحد مقالاته، طريقة جمع طلبة مصر أموالاً لتهريب «كيرة» إلى ليبيا ومنها إلى إيطاليا، بعد أن اتفق بعض زملائه مع ربان باخرة إيطالية على تهريبه، لكن القبطان طلب 200 جنيه ذهبًا، متحججاً بأنه يورط نفسه في تهمة خطيرة يمكن أن تجلب له الإعدام، وأصر القبطان على تسلم المبلغ مقدمًا، انتشر أصدقاء أحمد عبدالحي كيرة في القاهرة والإسكندرية، يستبدلون الأوراق النقدية التي تم جمعها من المتطوعين بالذهب، حتى اشترى بعضهم الجنيه الذهبي بـ150 قرشا، وبالفعل سلموها للقبطان قبل إبحار الباخرة بنصف ساعة.

وعندما وصل إلى إيطاليا، فوجئ «كيرة» بإخبارية بوصوله، تقول: «اقبضوا عليه حياً أو ميتاً، اسمه أحمد عبدالحى كيرة، كيميائى، طالب فى مدرسة الطب، خطير فى الاغتيالات السياسية، قمحى اللون، قصير القامة وذو شارب خفيف وعمره 28 عاماً»، فاضطر إلى الهرب مرة أخرى إلى تُركيا.


وفي كتابه «ناس فى الظل»، يحكي الأديب، يحيي حقي، عن «كيرة» قائلاً:

«بعبع الإنجليز، يبحثون عنه بعد أن فتلوا له حبل المشنقة، كنت لا ألقاه إلا صدفة وألح عليه أن نأكل معاً فيعتذر قائلاً: قريباً إن شاء الله، وظل هذا حالى معه أربع سنوات كلما أدعوه يعتذر بأدب، وقد رأيت فيه المثل الفذ للرجل الرشيد، كانت ملابسه تدل على مقاومة عنيدة للفاقة وغلبت صفرته التحتانية على لونه الأصفر، يمشى على عجل ويحذر كأنه يحاول أن يفلت من جاسوس يتبعه، ويخلو كلامه من أى عاطفة، فلا تدرى إن كان متعباً أم غير متعب، جيبه نظيفا أم دافئا، معدته خاوية أم عامرة؟».

سافر «كيرة» بعدها إلى تركيا، لكنه خاف من إرسال عنوانه إلى أهله لكي لا يقع العنوان تحت يد البوليس، وبدأ يعمل في تقطيع الأخشاب في الغابات ليكسب ثمن الطعام، بعد أن اتخذ من الحدائق سكنا له، ورغم ذلك لم يسلم من مطاردات البوليس الإنجليزي والمصري، حيث كان يتم إرسال عدد من الجواسيس إليه لمحاولة الإيقاع به، حتى إنّه بعد أن كان فد فتح مقهى في إسطنبول بالاشتراك مع مصري آخر، اضطر لإغلاقه هربا من الجواسيس، وعمل ممرضا في مستشفى تابع لمصلحة السكة الحديد التركية، ثم انتقل للعمل في مناطق أخرى من أجل لقمة العيش، وكان مسدسه لا يفارقه أبدا.


الخديو عباس حلمي الثاني

وحين نزل الخديو عباس حلمي الثاني في إسطنبول بعد خلعه من العرش، قيل لهُ من بعض رفاقه، إن أحمد عبدالحي كيرة سيقوم باغتياله لكي يحصل على عفو من الإنجليز، فشدد الخديو الحراسة على نفسه، ليفاجأ ذات يوم بشاب داخل مكتبه يشهر مسدسا في وجهه وهو يقول له إنه أحمد كيرة، وظن الخديو أنه هالك لا محالة، لكن كيرة سلمه مسدسه وقال له إنه لن يفعل ما تم اتهامه به، لأنه لن يحارب رجلًا أعزل بلا سلطة ولا سلاح، ثم استعاد مسدسه وخرج.

وحين حاول الخديو الذي تأثر بذلك الموقف أن يتخذه سندا له رفض بشدة، وقال له إنه لا يطلب أكثر من أن يعيش في سلام وأمان، وحين تم اعتقال أحمد ماهر في قضية الاغتيالات السياسية، وفكرت السلطات البريطانية في تسليم رقبته إلى المشنقة، أرسلت مبعوثا إلى «كيرة» يجس نبضه في عرض شديد الإغراء، وهو أن يعود إلى مصر، ويشهد ضد ماهر الذي كان يعمل تحت قيادته في التنظيم من قبل.

ولكي يتم استغلال ظروف «كيرة» الذي كان لا يجد قوت يومه إلا بشق الأنفس، خاصة بعد ضياع ثروة والده، وضع المبعوث المُوفد من قبل الإنجليز أمامه عشرة آلاف جنيه كمقدم لعودته إلى مصر، مع عرض موقع بالعفو عنه، لكي يكون شاهد إثبات، لكنه رفض بشدة، فأخذ الموظف الإنجليزي الكبير يضاعف العرض، حتى وصل إلى 40 ألف جنيه، لكن «كيرة» واصل الرفض، مؤثرا الاضطهاد والغربة والفقر على أن يخون نفسه ومبادئه ويشهد ولو بكلمة ضد رفيق الثورة أحمد ماهر.


حاول «كيرة» أن يتحول إلى شخص طبيعى فافتتح مقهى، ثُم تعرّف على كثير من المصريين المقيمين فى تُركيا، حتى إن صبرى أبوالمجد يؤكد أنه التقى الخديو المعزول عباس حلمى الثانى هُناك بعد أن علم أن بعض المصريين نقلوا له أن كيرة سيقتله، لكن على ما يبدو فإن عيون وجواسيس البوليس المصري والإنجليزي على السواء دفعته دفعاً إلى التوارى والاختباء، ويبدو أيضاً أن مخاوفه كانت فى محلها وهو ما يُسجله يحيى حقى قائلاً: «حاولت أن أعرف أين يسكن فلم أنجح وقيل لى إنه يسكن فى ثلاث شقق كل منها فى حى بعيد عن الآخر ولا ينام فى فراش واحد ليلتين».


بعد توقيع معاهدة 36 سافر إلى تركيا ثلاثة من عملاء الإنجليز في مصر .. ثلاثة من القلم السياسى هم " جريفز ، ماركو ، اسكندر بورجوزافو " ، واستطاعوا إستدراج عبد الحى إلى إحدى ضواحى إسطنبول واغتالوا البطل ثم مثلوا بجثته وفروا عائدين إلى مصر.. عاد ثلاثتهم مزهوين بأنهم قتلوه ، ويقولون " لقد ثأرنا لأروح جنودنا التى أزهقت في مصر .. لقد أدينا الواجب " ..أما جثمان البطل فقد ظل في العراء نهبا للبوم والغربان حتى كشف عنه البوليس التركي .

وفيما بعد وجدوا جثة «كيرة» فى حفرة بجوار سور أسطنبول القديم مقتولاً بطعنة خنجر، ولم يتحرك أحد فى السفارة المصرية للتحقيق فى مصرعه، وعرف الآن مَن كان وراء اغتياله.