Thursday, January 12, 2017

الشدة المستنصرية (١٠٦٥-١٠٧١) المجاعة القاتلة التي حلت بمصر..هل ستعود 2017؟؟

-- المجاعه المصرية الكبري --
| الشدة المستنصرية والسنوات العجاف |


أولا أعتذر لبشاعه هذه الصورة فهذه الصورة لبعض من الفلاحين الاوكرانين الذين كانوا يأكلون الاطفال في زمن الاتحاد السوفيتي بسبب المجاعة التي حدثت في عهد ستالين 1932-1933 والتي أدت بالناس الي أكل لحوم البشر وحتي لا نتهم بالتزوير و تحميل هذه الواقعه التاريخيه التي نريد ان نتحدث عنها ألا وهي ( الشده المستنصريه ) أكثر مما تحتمل ولكني اريد ان أقول عندما تحدث هذه المجاعات يتخلي الانسان عن إنسانيته ويتحول الي ما تتحدث عنه هذه الصورة فلنعرف اذا ماذا حدث :


ربما يظن البعض أن القصص الأسطورية التي تتحدّث عن آكلي لحوم البشر، قصصٌ وهمية، ولكنها حقيقة ولم تحدث في بلادٍ بعيدة عنّا، بل شهدتها عبر العصور القديمة والوسطى، إثر المجاعات التي أودت بحياة الآلاف من سكان وادي النيل، كان بعضها بسبب الأوبئة، مثل الطاعون والكوليرا، والتي كانت تجتاح بعض الأقاليم المجاورة لمصر، والبعض الآخر كان بسبب المجاعات الشهيرة الناجمة بالأساس عن انخفاض فيضان النيل، وهي أيضًا تأتي وبرفقتها بعض الأوبئة الفتاكة.


ونظرًا للطبيعة الموسمية لنهر النيل، كان انخفاض الفيضان يؤدي إلى قحط شديد وكذلك كان ارتفاعه الجامح يؤدي إلى إغراق القرى بالماء، والنتيجة المنطقية في الحالتين هي انعدام الأقوات، وحسب أحد الكُتاب فإن القنطرة التي تفصل بين الحياة الرغدة والموت الذريع، لم تكن إلا قنطرة ضيقة.

وتشير أقدم النصوص التاريخية إلى قصة السنين السبع العجاف التي يرجع تاريخها إلى عصر الأسرة الثالثة، القرن الـ28 قبل الميلاد، وفيه ثبُت أن النيل تخلّف في عصر الملك زوسر 7 سنوات، فشحّت الغلة وجفّت الفاكهة وقلّ الطعام.


أما في العصور الوسطى، فقد تكررت المجاعات بسبب انخفاض فيضان النيل، إثر تأخر ولاة البلاد عن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع انحدار النيل الذي أدى إلى كارثة الموت جوعًا، وكان العصر الفاطمي المحطة التاريخية الأبرز في سياق تلك الأحداث.

فلقد عانت مصر من ظاهرة «آكلي لحوم البشر» في العصر الفاطمي بسبب تلك المجاعة التى تعرضت لها البلاد في عهد المستنصر، وسميت المجاعة وقتها بـ«الشدة المستنصرية» وهي مصطلح يطلق على مجاعة حدثت بمصر نتيجة غياب مياه النيل بمصر لسبع سنين متواصلة عرفت بالعجاف نهاية عصر الخليفة الفاطمي المستنصر بالله في مستهل النصف الثاني من القرن الخامس الهجري من تاريخ الدولة الفاطمية في مصر 1036-1094م.


وكان هُناك ارتباط وثيق بين المجاعات الناجمة عن انخفاض فيضان النيل وانتشار الأوبئة، خاصة وباء الطاعون، وتشير المصادر التاريخية إلى أن السبب في ذلك هو جفاف الأراضي الزراعية وتشققها وانطلاق الفئران منها، كما ارتبط وباء الطاعون بظهور هذه الفئران، وكان انتقال العدوى منها للإنسان يتم بواسطة البراغيث التي تترك الفئران المصابة وهي على وشك الهلاك، لتنتقل إلى الإنسان، فضلًا عن الفيضانات العالية للنيل التي تؤدي لإغراق الأراضي الزراعية، وكان يعقب انحسار ماء هذه الفيضانات انتشار الوباء في البلاد.


ومن العوامل التى تساعد على تفشي الأوبئة ازدحام البيوت بالسكان، خاصة في الفسطاط التى تتكون بعض الدور فيها من 7 طوابق، وربما يسكن في الدار المئات من الناس، فإذا أضيف لذلك العادات غير الصحية التى يتبعها السكان، كأن يرموا ما يموت من القطط والكلاب في الشوارع والنيل، فضلًا عن تعذر دفن الموتى بشكل فوري، نظرًا لكثرة أعداد الضحايا وتدني مستوى الطب الوقائي، عرفنا مدى فداحة الخسائر التي كانت تقع بين السكان.

تلك قصة المجاعات التي شهدتها مصر، بدءًا من «الشدّة المستنصرية» وحتى أكل لحوم البشر.

الحاكم بأمر الله


تعدّدت في العصر الفاطمي وقائع الموت أثناء المجاعات، إما بسبب عدم وجود الطعام أو نتيجة لانتشار الأوبئة في سنوات الانخفاض في فيضان النيل، وكانت البداية عند دخول جوهر الصقلي لمصر في عام 969 م، حيث كانت البلاد تعاني من صعوبات شديدة في الأيام الأخيرة للدولة الإخشيدية، وانتشار عميم للأوبئة الفتاكة، مما أدى لموت كثير من سكان الفسطاط، حتى إن المقريزي يعزو إنشاء الفاطميين لمدينة القاهرة إلى خراب الفسطاط وفناء أغلب سكانها.


وشهدت خلافة الحاكم بأمر الله الفاطمي حدوث مجاعة خطيرة في عامي 397 و398 هجريًّا نتيجة لعدم وفاء الفيضان، اضطر خلالها الخليفة لاتخاذ عدة إجراءات لمنع الاحتكار وتوفير القمح والخبز في الأسواق، فضرب بعض الخبازين والتجار وشهّر بهم بالأسواق ومنع تخزين الحبوب، وقرر أسعارًا محددة للسلع الغذائية، وتوعد كل من يخالف التسعيرة بالقتل، وقد أدت هذه الإجراءات إلى تخفيض الأسعار وتوفير الأقوات.


ثورة الجياع في عصر الرومان

وذكر مؤرخون أن «الشدة المستنصرية من أشد المجاعات التي حدثت بمصر منذ أيام يوسف عليه السلام، فقد أكل الناس بعضهم بعضاً، وأكلوا الدواب والكلاب، وقيل إن رغيف الخبز بيع بخمسين ديناراً وبيع الكلب بخمسة دنانير. كما روى أن الأحباش كانوا يتربصون بالنساء في الطرقات ويخطفوهن ويقتلوهن ويأكلوا لحومهن».


روى المؤرخون حوادث قاسية، قائلين: «فلقد تصحرت الأرض وهلك الحرث والنسل وخطف الخبز من على رؤوس الخبازين وأكل الناس القطط والكلاب حتى أن بغلة وزير الخليفة الذي ذهب للتحقيق في حادثة أكلوها وجاع الخليفة نفسه حتى أنه باع مقابر آبائه من رخام وتصدقت عليه ابنة أحد علماء زمانه وخرجت النساء جياعا صوب بغداد».


ورغم اتخاذ الحاكم لعدة تدابير طبية وقائية، مثل الأمر بقتل الكلاب الضالة، ومنع بيع بعض الأطعمة والأشربة مثل الفقاع والملوخية والدلنيس، (سمك نيلي بلا قشر)، والتى كان يعتقد أنها تساعد على انتشار الأوبئة بسبب طُرق إعدادها وطهيها.

ونظرًا لتفشي الموت، فقد كانت المواريث تنتقل في اليوم الواحد عدة مرات، بل إن عائلات بأكملها فُنيت حتى لم يعد هناك وارث لثرواتها وممتلكاتها، ولجأ الحاكم عندئذ لإنشاء ديوان المفرد الذي كانت تُنقل إليه أملاك من ماتوا دون وريث أو من أَمَر الحاكم بقتلهم لمخالفتهم أوامره خلال فترة الأزمة الاقتصادية.


وقبيل اختفاء الحاكم بأمر الله، شهدت البلاد مجاعة خطيرة في عام 410 هجريًّا، حيث ارتفعت الأسعار ومات كثير من الناس بالجوع، وبلغ عدد من مات فى شهور رمضان وشوال وذي القعدة 270 ألفًا، إضافة إلى الغرباء وهم أكثر من ذلك.

المُستنصر

وبلغت الشدة المستنصرية مداها المأساوي لولا تلك الملامح والسمات الخاصة لفترة حكم المستنصر بالله الذى تولى الخلافه فى عام 427 هجريًّا، وهو فى السابعة من عمره، فنتيجة لصِغَر سن الخليفة وضعف شخصيته تزايد نفوذ الوزراء وقادة الجند، واحتدم الصراع بين فرق الجيش للسيطرة على الحكم، وزاد الطين بلة دخول التجار إلى أروقة الحكم وتولى بعضهم منصب الوزارة، الأمر الذي أدى لتغييرات جوهرية فى السياسة الداخلية للفاطميين، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الغلاء وتجنّب الآثار السلبية لانخفاض فيضان النيل.


وكانت أولى مجاعات عهد المستنصر في عام (444 هجريًّا)، وذلك أثناء وزارة اليازوري، التاجر القادم من الأراضي الشامية، وعلى الرغم من أن المقريزي يشير إلى أن سبب هذه المجاعة هو انخفاض النيل، فإن المصادر التاريخية تتفق على أن الفيضان تجاوز 17 ذراعًا في تلك السنة، وهو ما يدفعنا للبحث عن عامل الدولة وطبيعة دورها في تلك المجاعة.


ومما روى المؤرخون عن مدى القحط والمجاعة التي استبدت بالناس أن الخليفة المستنصر نفسه باع كل ما يملك في القصر، حتى بيع من المتاع ثمانون ألف ثوب، وعشرون ألف درع، وعشرون ألف سيف محلي، حتى الجواهر المرصعة بالأحجار الكريمة بيعت بأبخس الأثمان، ولم يبق له إلا حصيرة يجلس عليها وبغلة يركبها وغلام واحد يخدمه.

وذكر المؤرخ ابن إلياس أن «الناس أكلت الميتة وأخذوا في أكل الأحياء وصنعت الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح وتراجع سكان مصر لأقل معدل في تاريخها».


وأشار تقي الدين المقريزي، في كتابه «إغاثة الأمة بكشف الغمة»، إلى أن الناس أكلوا القطط والكلاب، مضيفًا: «أكل الناس القطط والكلاب بل تزايد الحال فأكل الناس بعضهم بعضا، وكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها وعليهم سلب وحبال فيها كلاليب فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوا».


ويمكن الجزم بأن سبب تلك المجاعة هو تغيير اليازوري لوظيفة المتجر السلطاني، وهو إدارة حكومية تمتلك العديد من المخازن التى توضع بها المشتريات من السلع والبضائع التى تحتاجها الإدارات الحكومية وقصور الخلافة، بالإضافة إلى بعض السلع التى يبيعها المتجر لتحقيق الربح.


وتقليديًّا كان المتجر يخصص كل عام 100 ألف دينار لشراء الغلال كاحتياطي غذائي، يتم توزيعه وقت الأزمات على الطحانين والخبازين بالسعر العادل، وكان وجود هذا المخزون كفيلًا بمنع التجار من التفكير في التلاعب بالأسعار.

فقد حدث عندما كان اليازوري قاضيًا أن نظر في قضية مفادها أن بائع خبز باع الخبز بأقل من السعر المحدد في الأسواق خشية كساده، فعاقبه عريف الخبازين بالضرب والغرامة، فاشتكى إلى القاضي اليازوري الذي ذهب بدوره للخليفة وزيّن له أن يتخلى المتجر السلطاني عن شراء الغلال وبيعها في الأسواق.


خلت الشوارع من الناس .. ماتوا جميعا

وطالما أن الرخاء يعمّ البلاد، يتبنى المتجر سياسة ربحية بشراء وتخزين السلع التى لا تفسد بمرور الزمن والتى يرتفع سعرها، ووافقه المستنصر بالله على أن يقيم متجرًا لا كلفة فيه على الناس، ويفيد أضعاف فائدة الغلة ولا يخشى عليه من التغيير في المخازن لانحطاط سعره، وشرع اليازوري يشتري للمتجر الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل.


وقال «المقريزي» في كتابه «اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء» تأييدا لما سبق «ظهر الغلاء بمصر واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وكثرة الفساد وأكل الناس الجيفة والميتات ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا به، وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط وبلغت رواية الماء دينارا وبيع دار ثمنها تسعمائة دينار بتسعين دينارا اشترى بها دون تليس دقيق وعم مع الغلاء وباء شديد وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد فانقطعت الطرقات براً وبحراً إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر وبيع رغيف من الخبز زنته رطل في زقاق القناديل كما تباع التحف والطرق في النداء: خراج، خراج، فبلغ أربعة عشر درهما وبيع إردب قمح بثمانين ديناراً، ثم عدم ذلك كله، وأكلت الكلاب والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير».


ولفت «المقريزي»، في كتابه «إغاثة الأمة»، إلى حدوث مجاعة مشابهة للسابقة، «أيام الحافظ لدين الله وفي عهد الفائز وفي سلطة العادل أبي بكر الأيوبي سنة ست وتسعين وخمسمائة بسبب توقف النيل عن الزيادة، فأكل الناس صغار بني آدم من الجوع فكان الأب يأكل ابنه مشويا ومطبوخا والمرأة تأكل ولدها، وكان يدخل الرجل دار جاره فيجد القدر على النار فينتظرها حتى تتهيأ فإذا هي لحم طفل».

وذكر أنه «لما أغاث الله الخلق بالنيل لم يجد أحد يحرث أو يزرع».


وانتقل المقريزي في فصل خاص عن أسباب هذه المحن التي تعرضت لها البلاد فردها إلى ثلاثة أسباب: "أولها توصل الجهلاء والظالمين بالرشوة إلى تقلد أعلى مراتب الحكم في الدولة كالمناصب الدينية وولاية الخطط السلطانية من وزارة وقضاء ونيابة وغيرها واضطرارهم لتسديد ما وعدوا به السلطان من أموال إلى تعجلها من أعضاء حاشيتهم وأعوانهم فيقرروا عليهم ضرائب تدفعهم أن يمدوا أيديهم إلى أموال الرعايا الذين يضطرون إلى الاستدانة وبيع ما يملكون من أثاث وحيوان".


وتابع أن «ثانيها ارتفاع إيجار الأطيان، وغلاء نفقات الحرث والبذر والحصاد، وارتفاع ثمن المحاصيل مما نتج عنه خراب كثير من القرى وتعطيل الأراضي الزراعية ونقص فيما تخرجه الأرض من غلال لموت كثير من الفلاحين والزراع وتشردهم في البلاد وقد هلكت دوابهم، ولعجز آخرين ممن يملكون الأراضي عن زرعها لارتفاع سعر البذر ونقص اليد العالمة، ثالثها رواج الفلوس النحاسية التي أصبحت النقد الغالب، واحتفاء الدراهم والدنانير من التعامل لعدم ضربهما ولسبك ما بأيدي الناس منهما لاتخذاه حليا، وقد تفنن الأمراء والأتباع والأعوان في الترف والتأنق وتباهوا بفاخر الزي وجليل الحلي، فكان أن دهى الناس وذهب المال وقلت الأقوات وتعذر وجود المطالب».

«المجاعة المستنصرية» حين أكل المصريون أنفسهم جوعًا واختفى ثلث السكان


يعلم الكثير منا، ما مرت به مصر من أزمات قضت على الأخضر واليابس، لعل أبرزها قصة يوسف الصديق، العبرانى الأصل، والذى فسر لملك مصر حلمه بإلهام إلهى، وأخبره عما ستمر به البلاد من سبع سنوات عجاف،  فكانت جائزته ميله منصب قيادى إكرامًا له، لكن الأغلبية منا لا يعرف عن «الشدة المستنصرية»، تلك المجاعة التى ضربت مصر 7 أعوام من أواخر ١٠٦٤م حتى أواخر ١٠٧١م، والتى وصل الحال لأكل لحوم البشر بين جموع وعامة المصريين.

«المستنصرية» أصل ولقب خليفة مصر فى العهد الفاطمى

المستنصر بالله، هو الخليفة الخامس للدولة الفاطمية، تولى الخلافة بعد أبيه وهو ابن سبع سنوات، طيلة 60 عامًا .

وصل «المستنصر» لحكم البلاد، وكان الرخاء يعم مصر وبقية الدول الواقعة تحت حكم الخلافة الفاطمية، واستمر هذا الرخاء طيلة ١٧ عامًا، وذلك بسبب «المخازن السلطانية» التى أنشأها والده لتخزين القمح والغلال وتوزيعها علي الشعب.


بدأت المأساة ما بين عامى 1064و 1065م، حيث ارتفعت الأسعار بسبب خلو المخازن السلطانية، ومشاكل سياسية داخلية ما بين رئيس الوزراء آنذاك والمشارف القضائية للدولة الفاطمية، ونقصان مياه النيل، الأمر الذى أدى إلى عطش الأراضى الزراعية، وانتشار الأمراض..ومن هنا بدأت الشدة المستنصرية.


وجاء الاختبار الحقيقي لسياسة المتجر الجديدة عندما انخفض فيضان النيل ولم يتجاوز 15 ذراعًا إلا ببضع أصابع، ورافق انخفاضه وباء فتاك عمَّ البلاد، ولم يكن في مخازن السلطان إلا جرايات من في القصور ومطبخ الخلفية وحواشيه.

واضطر اليازوري إلى مصادرة ما كان بمخازن تجار الغلال، وأربح كلًّا منهم دينارًا مقابل كل دينار من مشترياتهم، وسارع إلى توزيع الغلال وضبط الأسواق لتجنب خطر المجاعة.

وصحب هذه المجاعة وباء شديد أودى بحياة كثيرين، خاصة في عامي 447 و448 هجريًّا، حتى إن عطارًا باع في يوم واحد ألف قارورة شراب، وقُدّر من مات في مصر خلال عام 448 هجريًّا، بألف إنسان كل يوم.

ويذكر أن 3 من اللصوص نقّبوا بعض الدور فوُجدوا عند الصباح موتى، الأول على باب النقبة، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب التى كورها.
ونتيجة للمجاعة التي وقعت عام 455 هجريًّا، بسبب وصول الفيضان لحد الغرق، انتشر وباء الطاعون، فمات في 10 أشهر كل يوم ألف إنسان، أي ما يقرب من 300 ألف شخص.

إلا أن كل هذه الوقائع تتضاءل أمام جسامة أحداث المجاعة التى اجتاحت مصر لمدة 7 سنوات، واشتهرت هذه المجاعة باسم الشدة المستنصرية، والتى يقال إنه لم يحدث مثلها منذ زمن يوسف عليه السلام.


وسبب بداية هذه المجاعة هو قصور ماء الفيضان، فارتفعت الأسعار وأعقب ذلك الوباء حتى تعطلت زراعة الأرض لموت الفلاحين، وظل النيل بعد هذه السنة يمد وينزل، فلا يوجد من يزرع الأرض، ولا جدال في أن ضعف السلطة المركزية والصدام المسلح بين فرق الجند الفاطمي، قد فاقم من النتائج المأساوية لتلك الشدة التى بلغت ذروتها، فعظم الجوع واشتدّ الوباء وانتشر السلب والنهب، ولعل ذلك عائد لمحاصرة ناصر الدولة بن حمدان لكل من القاهرة والفسطاط في ذلك العام.

وخلال هذه السنوات السبع، انهارت القوة الشرائية للنقود، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بشدة، حتى إن حارة بالفسطاط بيعت بطبق خبز، كل رغيف فيه بمنزل، فعُرفت لذلك بحارة الطبق.


ونظرًا لاشتداد المسغبة وطول أمدها لجأ الناس إلى أكل نحاتة النخل، بل طبخوا جلود البقر وباعوها رطلًا بدرهمين، ثم أكل الحيوانات الأليفة فبيع الكلب ليؤكل بخمسة دنانير والقط بثلاثة دنانير، ولم تسلم دواب الخليفة من السرقة لتؤكل حتى لم يبق له سوى 3 أفراس، بعد أن كانت 10 آلاف ما بين فرس وجمل ودابة.

وحدث أن وزير المستنصر ترك على باب القصر بغلته، وليس معها إلا غلام واحد، أخذوا البغلة منه، فلم يقدر على دفعهم لضعفه من الجوع، وذبحوها وأكلوها فأُخذوا وصُلبوا، فأصبح الناس فلم يروا إلا عظامهم، إذ أكل الناس في تلك الليلة لحومهم.

أكل لحوم البشر

وتعدى الأمر إلى أكل الجيف والميتات ثم لحوم الآدميين، فيُذكر أن طوائف من أهل الفساد اعتادت أن تسكن بيوتًا قصيرة السقوف قريبة من المارة تمكنها من خطف المارة، بواسطة خطاطيف، وحبال أعدوها لذلك ليقوموا بعد خطف الضحية بضربه بالأخشاب حتى يتمكنوا من تشريح لحمه وأكله.

ويبدو أن قصص أكل لحوم البشر لم تكُن من نسج خيال الكُتَّاب، إذ أورد لنا ابن دقماق اسمين لزقاقين بالفسطاط لهما صلة بتلك القصص، أولهما زقاق البواقيل الذي يُعرف أيضًا بزقاق الندافين، حيث كان جماعة أيام الشدة المستنصرية يقفون تحت القبو هناك، فمن مر بهم ندفوه ونزعوا ما عليه ورموه في بئر هناك، وثانيها هو زقاق العكامين، حيث كان أناس يعكمون المارة بأكر في أفواههم ثم يحملونهم إلى زقاق القتلى، ليقتلوهم فيه فسمي بذلك، وصارت لحوم الآدميين سلعة رائجة يقوم الطباخون ببيعها مطبوخة بعد أن يذبحوا ضحاياهم من الصبيان والنساء.

يقول د . عبد الحليم عويس في الدولة الاسماعيليه الفاطمية :

صاحب تلك الأزمات الإدارية والسياسية للخليفه المستنصر العبيدي !! أزمة اقتصادية طاحنة لعل مصر لم تشهد نظيرا لها – من حيث شدتها وعمق تأثيرها – منذ عصر يوسف الصديق عليه السلام [ حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي ] ..

حيث تناقص منسوب النيل في السنوات 444 هـ , 447 هـ , 457- 464هـ [ المقريزي إغاثة الأمة ] ...


ومن حوادث أكل لحوم البشر الشهيرة، ما ذُكر عن امرأة خطفها إنسان، وكانت بدينة فأدخلها بيتًا فيه سكاكين وآثار الدماء وزفرة القتلى، وأوثقها وأخذ يشرح من فخذيها ويشوي حتى شبع وسكر، ففرّت منه واستغاثت بالوالي الذي كبس الدار وضرب عنق الرجل.

وربما كان أكل الجيف والميتات ولحوم البشر من أهم الأسباب التي أدت لانتشار الوباء الذي كثرت ضحاياه، حتى عجز الناس عن تكفين موتاهم، فألقوهم في الحفر جماعات وأهالوا التراب عليهم أو قذفوا بهم في النيل دون أكفان.


ويقدّر البعض أن الشدة المستنصرية وما صاحبها من الأوبئة قد أفنت قرابة ثلثي أهل مصر، خاصة مع انتشار الجدري بين الأطفال، فقد أفنى هذا الوباء 21 ألف طفل في شهر واحد.

كما تركت الشدّة المستنصرية تأثيرًا كبيرًا على التوزيع الديموغرافي للسكان، حيث كان أعداد الموتى كبيرة في الريف حتى فنيت قرى بأكملها، وهجر من بقي ببعض القرى بلادهم، متجهين للقاهرة والفسطاط، وقد تناقصت أعداد القرى بشكل واضح، فبعد أن كان عددها في بداية العصر الإخشيدي يبلغ نحو 2395 قرية، نقص هذا العدد في نهاية العصر الفاطمي.


ولم تسلم العاصمة من الوباء الذي أفنى ثلثي سكان مصر، حتى إن الرجل كان يمشي من جامع ابن طولون إلى باب زويلة، لا يرى في وجهه إنسانًا يمشي في الأسواق، وبلغ الوباء عنفوان فتكه بالناس، فكان يموت الواحد من أهل البيت في القاهرة أو الفسطاط، فلا يمضي ذلك اليوم حتى يموت سائر من في البيت.

وبلغت الوفيات حدًّا عجز الناس معه عن مواراة الأموات، فكفنوهم في الأنخاخ ثم اضطروا إلى حفر حفائر كبيرة يلقون فيها الأموات بعضهم على بعض، حتى تمتلئ الحفرة بالرمم من الرجال والنساء والصغار والكبار، ثم يهال عليها التراب.

وزادت ضراوة الوباء في عام 463 هجريًّا في القاهرة والفسطاط، حتى إن أهل البيت كانوا يموتون في يوم واحد، ولا يوجد من يدفنهم، وقد اضطر الناس في العام التالي إلى إلقاء موتاهم في النيل بغير أكفان.

وإذا كان الوباء أدى إلى وفاة كثير من السكان وخراب الريف، حتى إن البلاد كانت بحاجة لفترة طويلة من الزمن لتعود سيرتها الأولى، فإن الحروب والفتن التى رافقت الشدة قد ضاعفت أيضًا من أعداد الضحايا وعمّقت الاتجاه التنازلي لأعداد السكان.

وقد رسم المقريزي بقلمة المبدع حالة مصر إبان تلك الشدة قائلا :


(( فنزع السعر وتزايد الغلاء وأعقبه الوباء حتي تعطلت الأراضي من الزراعة وشمل الخوف وخيفت السبل برا وبحرا وتعذر السير إلي السير إلي الأماكن إلا بالخفارة الكثيرة وركوب الغرر.

واستولي الجوع – كما ألمحنا من قبل – لعدم القوت حتي بيع رغيف خبز في النداء بزقاق القناديل من الفسطاط كبيع الطرف بخمسة عشر دينار وبيع الإردب من القمح بثمانين دينارا وأكلت الكلاب والقطط حتي قلت الكلاب فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير وتزايد الحال حتي أكل الناس بعضهم بعضا وتحرز الناس فكانت طوائف تجلس بأعلي بيوتها وعها سلب وحبال فيها كلاليب فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه .

ثم آل الأمر إلي أن باع المستنصر كل ما في قصرة من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره وصار يجلس علي حصير وتعطلت دواوينه وذهب وقاره وكانت نساء القصور وتخرجن ناشرات شعورهن تصحن (( الجوع الجوع )) تردن السير إلي العراق فتسقطن عند المصلي وتمتن جوعا واحتاج المستنصر حتي باع حاية قبور آبائه وجاءه الوزير يوما علي بغلته فأكلتها العامه فشنق طائفة منهم فاجتمع عليهم الناس فأكلوهم وأفضي الأمر إلي أن عدم المستنصر الوقت )) [ المقريزي إغاثة الأمة وايضا اتعاظ الحنفا ] .

مصريون مابين أكلى لحوم بشر..و “القطط” بـ 3 دنانير والكلب بـ5 دينار


دخلت مصر فى أزمة نقصان مياه النيل حتى وصلت لحالة الجفاف، الأمر الذى دفع لحدوث مجاعات كبرى بمصر، حتى قال عنها ابن الياس، المؤرخ والطبيب الإيرانى، “أن الناس أكلت الميتة وأخذوا في أكل الأحياء وصُنعت الخطاطيف والكلاليب لإصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح “.

ويضيف المؤرخ : “أكلوا الكلاب والقطط، وكان ثمن الكلب الواحد خمسة دنانير والقط ثلاثة”.. ووصل الأمر لدخول الحيوانات الضالة لاصطياد وأكل الأطفال الصغيرة فلا يستطيع والديهم منعها، لرخو قوتهم وضعفها”.

ومات من المصريين أكثر من ثلثهم آنذاك، أى حوالى مليون و600 ألف نفس، بمعدل ألف شخص يوميًا، حتى خلت الشوارع من المارة، وانهار قوام مصر العسكرى الأمر الذى دفع بثوارت جند السودان من الوجة القبلى ضد سلطة ونفوذ المستنصر بالفسطاط «القاهرة».

الخليفة الأفقر بين حكام مصر..دابة واحدة و سجادة واحدة للجلوس


وصلت الشدة مصابها للأسرة الحاكمة آنذاك حتى فروا هاربين من قحط الجوع لبغداد، ويقال إنه باع في هذا الغلاء ثمانين ألف جوهرة ثمينة، وخمسة وسبعين ألف قطعة من أنواع الديباج المذهب، وعشرين ألف سيف، وأحد عشر ألف دار، وافتقر الخليفة المستنصر حتى لم يبق له إلا سجادة تحته وقبقاب في رجله..بل كان يستعير من أحد وزرائه بغلته ليركبها بعد أن كان يمتلك عشرة آلاف دابة ما بين فرس وجمال وأغنام.

أول مظاهرة نسائية فى مصر وبداية الانفراجة

اشتد الهلاك حتى ما بعد الذروة إلى الثورة والاضطرابات، بل ومن المعروف أنه من أولى التظاهرات النسائية خرجت فى حكم المستنصر، الأمر الذى دفع «الخليفة» بالاستعانة بوالى عكا الأرمانى «بدر الجمالى»، والذى بفضل مهارته وقيادته الحكيمة قضى على روؤس الفتنة وأعاد الإصلاح الزراعى للبلاد.


وقيل :

إن مصر فقدت في هذه الازمة ثلث سكانها حتي أن أهل البيت الواحد كانوا يموتون في ليلة واحدة وكان يموت كل يوم ألف نفس علي الأقل , ثم ارتفع العدد إلي عشرة آلاف وفي يوم مات ثمانية عشر ألفا , وكان المستنصر يتحمل نفقات تكفين عشرين ألفا علي حسابه الخاص وخلت القري من سكانها ونزل الجند لزراعة الأرض بعد أن هلك الفلاحون [ السيوطي حسن المحاضرة ]

ويقول النويري : (( ... وكثر الوباء بالقاهرة ومصر حتي ان الواحد كان يموت في البيت فيموت في بقية اليوم أو الليلة كل من بقي فيه وخرج من القاهرة ومصر جماعة كثيرة إلي الشام والعراق وأكل بعض الناس بعضا ... ومن جملة ما بلغ من أمر الغلاء أن امرأة كان لها حلي باعت ما يساوي ألف دينار بثلاثمائة دينار واشترت به حنطة فنهبت منها في الطريق فنهبت فحصل لها ما جاء رغيفا واحدا [ نهارية الارب ]

ويقول ابن تغري بردي (( وكان السودان يقف في الازقة يخطفون النساء بالكلاليب ويشرحون لحومهن ويأكلونها واجتازت امرأة بزقاق القناديل بمصر وكانت سمينه فعلقها السودان بالكلاليب وقطعوا من عجزها قطعة وقعدوا يأكلونها وغفلوا عنها فخرجت من الدار واستغاثت فجاء الوالي وكبس الدار فأخرج منها ألوفا من القتلي وقتل السودان )) [ النجوم الزاهرة ]


وإنه لمن السذاجة أن نعزو سبب تلك الأزمة الاقتصادية – التي لم يشهد التاريخ الاسلامي كله نظيرا لها – إلي مجرد توقف الفيضان سبع سنوات متوالية ونغفل عن خطايا السياسه الفاطمية وأنانية الخلفاء الفاطميين [ معالم تاريخ المغرب والاندلس حسين مؤنس ]

فقد كان من الممكن اتقاء الآثار المدمرة لتلك الازمة أو علي الأقل التخفيف منها لو كان الفاطمييون أوفر حكمة وأعظم حرصا علي مصالح الرعية ولكنهم بسياستهم العوجاء أذكوا الصراع بين طوائف الجند وأفراد النخبة الإدارية والسياسية حتي غدت مصر مسرحا لحرب أهلية قذرة – سواء في بواعثها أو أدواتها – لا تكاد تهدأ حتي تشتعل من جديد فتعمق من آثار الأزمة وتبلتع جزءا من عمران البلاد وثرواتها البشرية والمادية


وقد فطن مؤرخو مصر الإسلامية إلي تلك الحقيقة حين حملوا السياسة الفاطمية المسؤلية الكاملة عن تلك الشدة فالنويري يقول :

(( ولم يكن هذا الغلاء عن نقص النيل وإنما كان لاختلاف الكلمة وحرب الأجناد وتغلب المتغلبين علي الأجناد وكان النيل يزيد ويهبط في كل سنة ولم يجد من يزرع الآراضي وانقطعت الطرقات برا وبحرا )) [ نهاية الأرب ]

ويقول المقريزي : (( ثم وقع في أيام المستنصر الغلاء الذي فحش أمره وشنع ذكره وكان أمده سبع سنين وسببه ضعف السلطنة واختلال أحوال المملكة واستيلاء الأمراء علي الدولة واتصال الفتن بين العربان وقصور النيل وعدم من يزرع ما شمله الري )) [ إغاثة الأمة ] ...